|
جبل عامل في
العهدين الصليبي والمملوكي
بقلم الدكتور
محمد مخزوم
- بيروت 1979
يعتبر تاريخ
منطقة جبل عامل منذ القرن العاشر
الى عهدنا الحاضر فترة عنيدة في
النضال ضد كل الحركات الاستيطان
التي باشرها الاوروبيون تارة في
الحركة الصليبية المسلحة وتارة
اخرى في حركة التبشير المسالمة في
ظاهرها، بعد ان تحطمت قوتهم
العسكرية. كما برزت حركة النضال
هذه اشد فعالية في مقاومة حركة
التتريك التي لبست ثوب الدين
واتخذت شعار "اخوة العقيدة
الدينية" سلاحاً لها في كتب
الشعور القومي. ثم ضد الاستعمار
بجميع اشكاله سواء المباشر او غير
المباشر طيلة العصور الحديثة. وان
ما نشهده اليوم في منطقة جبل عامل
لهو أعظم شاهد على تراث هذه
المنطقة النضالي.
وعلى الرغم من
كثرة الدراسات التي ظهرت عن منطقة
جبل عامل حتى الان بين ثنايا
مصادر التاريخ المختلفة في
العهدين الصليبي والمملوكي، الا
انه من الضروري جداً، اسوة ببقية
المناطق اللبنانية، أخصها جبل
لبنان، ان يكتب تاريخ هذه المنطقة
بالشروط الموضوعية التي تنطبق على
ركائز البحث التاريخي الحديث.
ولما كنا
كثيراً ما نطالع في كتب التاريخ
–التي سجلت احداث هذه المنطقة
بالذات- تعبيران مثل: ليس من
المؤكد، وعلى الارجح، ومن
المحتمل، والله أعلم... فاننا
سنحاول وبقدر ما تسمح لنا المراجع
المتوفرة أن نتحاشى –بقدر الامكان
في صناعة تاريخ هذه المنطقة-
الروايات والاخبار التي لا تتفق
ومنهج البحث التاريخي.
ان عملية
التطور التاريخي التي شهدتها هذه
المنطقة بالانتقال من الحكم
الصليبي الى الحكم المماليكي تمثل
مرحلتين متمايزتين تمام التمايز:
من حضارة اقطاعية خالصة ذات
اقتصاد عيني الى حضارة اقطاعية
(التزامية) يخضع حق استغلال الارض
فيها للاقطاعي، مع بعض
الاستثناءات، لتأدية الخدمة
العسكرية.
1-
الاطار التاريخي
دخلت جيوش
الصليبية لبنان من شماله، اواخر
القرن الحادي عشر للميلاد، وسارت
على طول الساحل اللبناني حتى
مدينة صيدا، (بوابة جبل عامل)
التي امتنع اهلها عن التفاوض معهم
على الرغم من تهديد الصليبيين
باتلاف الزرع وتخريب البساتين.
ولما سقطت القدس اصبح لا بد أمام
الصليبيين من السيطرة على الساحل
اللبناني، لضمان وصول النجدات من
أوروبا. فهاجموا مدنه وقراه حيث
سقطت بأيديهم على التوالي كل من
جبيل، طرابلس ثم بيروت.
أما منطقة جبل
عامل فقد امتنعت على الصليبيين
وذلك لوصول النجدات اليها من البر
بواسطة السلاجقة، ومن البحر
بواسطة الفاطميين. لذا صمم
الصليبيون على فتحها للضرورات
التالية:
اولاً : انها
تشكل الظهير العسكري لمدينة صور
التي تصلها الامدادات من دمشق.
ثانياً : انها
غنية بالموارد الزراعية التي
تفتقر اليها مملكة بيت المقدس.
ثالثاً : انها
معبر للقوافل التجارية حيث تربط
منطقة دمشق بميناء صور.
رابعاً : انها
تتحكم عسكرياً في الممرات
الشمالية لامارة الجليل التي
تعتبر من الامارات الصليبية
المهمة.
وهكذا بدأ التغلغل
العسكري الصليبي ينتشر في منطقة
جبل عامل تدريجياً على اثر
استقرار الصليبيين في بيت المقدس
ووصول النجدات المتتالية اليهم عن
طريق البحر. فأقاموا القلاع
والحصون الكثيرة التي كان من
اشهرها قلعة تبنين
(Tyron)
وقلعة الشقيف أرنون، وقلعة
الاسكندرونة، وحصن تل المعشوق
لتشديد الحصار على مدينة صور آخر
ما ملكه الصليبيون على الساحل
اللبناني.
هذه الاحداث
تضعنا امام الحقيقة التالية وهي :
ان تمسك الصليبيين بفكرة التوسع
باتجاه منطقة جبل عامل، جعل حكام
دمشق والقاهرة من السلاجقة
والفاطميين والمماليك فيما بعد
بحكم ما بين هذه المنطقة وغيرها
من الروابط القومية والعقدية،
يحاولون على مدى قرنين من الزمن
استعادتها بقدر ما كانوا يجاهدون
في الوقت نفسه لاستعادة بقية
الاراضي العربية التي أقام عليها
الصليبيون مملكتهم واماراتهم.
استمر
الصليبيون يسيطرون على منطقة جبل
عامل بواسطة جاليات عسكرية
اقاموها في المدن والقلاع والحصون
المنتشرة في جميع انحاء المنطقة.
ولم تكن مناوشات السلاجقة
للصليبيين لتعيق هذا الاحتلال حتى
عهد نورالدين –الذي رفع من دمشق
شعار المقاومة- الذي كان يعتبر من
أهم المرتكزات الاساسية لاضفاء
الشرعية على اية سلطة تستولي على
الحكم في المناطق الاسلامية.
وأدت حروب
نورالدين للصليبيين، بالاضافة الى
ما كانت تحمله اماراتهم بين
طياتها من عوامل التفسخ
والانهيار، الى انهاك قواهم
العسكرية، واعاقة توغلهم التجاري
في المناطق الاسلامية، الامر الذي
جعل المدن التجارية –صاحبة الفضل
الاول في السيطرة- تحجم عن تقديم
المساعدات لهم.
وامام التكتل
الاسلامي العربي الذي فرضه صلاح
الدين، بدأ التراجع العسكري
الصليبي في المنطقة يأخذ الطابع
الجدي. فكانت "معركة حطين" أهم
فاصل في تاريخ المنطقة، اذ سيطر
صلاح الدين على اثرها على قلعة
"تبنين" وصيدا والمناطق المحيطة
بصور. كما هزم الصليبيين في معركة
"تل القاضي" في مرجعيون.
وبينما تذكر
بعض المصادر المعاصرة ومنها "ابن
القلانسي" ان نورالدين هزم
الصليبيين ومعهم بعض المسلمين في
جبل عامل قرب بانياس، نرى
العامليين يساندون صلاح الدين في
حروبه. وتفسير ذلك انه ليس من
المستغرب ان يضم جيش الصليبيين
بعض المسلمين، لان النظام
الاقطاعي الذي كان سائداً كان
يعتمد على تأدية خدمة عسكرية
سنوية يؤديها التابع للمتبوع بحسب
التشريعات والاعراف الاقطاعية.
ومع ان القوة
الصليبية استرجعت بعض ما فقدته من
مناطق في عهد خلفاء صلاح الدين،
فان بروز القوة العسكرية
المملوكية منذ بداية النصف الثاني
للقرن الثالث عشر، كانت عاملاً
حاسماً في اجلاء الصليبيين عن
المنطقة برمتها. اذ لم تكد سنة
1291 تنتهي حتى اصبح لبنان
–بما فيه منطقة جبل عامل- تحت
الحكم المملوكي الذي استمر حتى
سنة 1516 ميلادية عندما حل
العثمانيون محل المماليك.
والعامليون
خضعوا خلال الفترة –بين القرن
العاشر والسادس عشر للميلاد- لعدة
نظم مختلفة، نحدد هويتها العامة
على الشكل التالي:
2-
النظم الاجتماعية والسياسية
1-
في العهدين السلجوقي والايوبي
امتدت دولة
السلاجقة بشكل بات معه من
المستحيل السيطرة على اطرافها.
فوزعت الاراضي بين الامراء
والقادة العسكريين بشكل اقطاعات
لهم، فيها حق الاستغلال والحكم
والولاية. ومنعاً من تحلل هؤلاء
من السلطة المركزية، جعل "نظام
الملك" اقطاع الشخص الواحد في عدة
امكنة متباعدة، كما حصر توليته
بحق الاستغلال دون التوريث، وقرر
عليهم التزامات عسكرية ومالية
معينة. وقد استمر النظام الاقطاعي
في عهد الدولة الايوبية على الشكل
الذي قرره السلاجقة من قبل. اذ
كان مورد الدولة الاساسي هو
الاقطاع الحربي، وقد ادخل صلاح
الدين على هذا النظام ما يسمى
بالبدل، اي ان يدفع الفلاح –اذا
اراد ذلك- كميات من الشعير او
الفول بدلاً من القمح مثلاً.
2-
العهد الصليبي :
لقد حمل
الاستعمار الفرنجي معه الى منطقة
الشرق نظمه الاقطاعية التي كانت
سائدة في اوروبا. واتخذت منطقة
جبل عامل من بين جميع المناطق
اللبنانية في هذا العهد طابعاً
خاصاً بها. اذ كانت سيطرة
الصليبيين ولمرحلة طويلة على
المنطقة كلها، كما كانت تعتبر من
المناطق التي يجب على الافرنج،
حفاظاً على بقائهم، التمسك بها
لكونها تمد مملكة بيت المقدس
بالغلال وتشكل مع امارة الجليل
سوراً حديدياً لها.
ولما كان
امتلاك الصليبيين للارض قد نشأ
عنه بالضرورة امتلاكهم للسلطة،
فقد نشأ امتزاج بين الارض
والسلطان في منطقة جبل عامل، جعل
المجتمع يدين بدورته الاقتصادية
للنظام الاقطاعي. مما أدى الى خلق
تراتبية اجتماعية يقف فيها السيد
الاقطاعي على رأس الهرم، يليه
اسياد المناطق الصغيرة التابعة
له، ثم الطبقة الواسعة من الناس
المرتبطة بمالكي الارض بحكم
علاقاتهم الاقتصادية التي رسختها
العلاقات الحقوقية الموضوعة من
قبل الاقطاعيين انفسهم. وهكذا
اصبح بحكم هذا النظام سكان جبل
عامل أقناناً عند هؤلاء يقدمون
الولاء والاخلاص والتموين أيام
السلم والحرب، وهو ما يفسر وقوف
بعضهم الى جانب الصليبيين في بعض
المعارك.
والاقنان
شكلوا في السلم الاقطاعي أدنى
الطبقات الاجتماعية في المجتمع
العاملي. فالقن فلاح قروي يعيش
على قطعة من الارض يقدمها له
الاقطاعي، على ان تتناسب مساحتها
مع مقدار أعبائه الاقطاعية، وهو
لا يتمتع بأي حق مدني على سيده،
وان كان القانون من الناحية
النظرية يعتبره حراً. فمصيره
مرتبط بتعسف الاقطاعي
واستبداديته، لكون العلاقة بينهما
مزدوجة من جهة وسيدية من جهة
ثانية. وقد تمير قن جبل عامل
–نظراً لعدم رسوخ الاحتلال بالقدر
الذي يسمح للاقطاعي بمراقبة
أقنانه مراقبة فعلية- بتكوين
استثمارات لنفسه وبناء أسرة خاصة
به. كما كان القن يمتلك ادوات
العمل الزراعي الى جانب الحيوانات
والطيور والبذار والعلف والمسكن
والابنية الزراعية، ووسائل النقل،
والادوات المنزلية.
والفلاح
العاملي ارتبط بأرضه ارتباطاً
وثيقاً فلم يكن يسمح له بترك ارضه
الا نادراً، لئلا تتعرض المناطق
التي يسيطر عليها الصليبيون الى
خلل سكاني، في الوقت الذي كان
يمتهن فيه الصليبيون الفروسية
والحرب، فكان من الممكن مصادرة
أرض الفلاح وطرده منها. الا انه
كان مصدر الاستثمار الاقطاعي
الوحيد في المجتمع الحربي الى
جانب التجارة، لذلك كان يتم
الصاقه بالارض بدلاً من تجريده
منها.
اما عن
استثمار الصليبيين الاسياد
للفلاحين، وان اختلف من مكان الى
آخر، فقد اتخذ عدة اشكال كان من
أهمها:
اعمال السخرة
: التي يقوم بها الفلاحون بالعمل
في الارض الزراعية للسيد.
(الحراثة والبذر وجمع المحاصيل)
بالاضافة الى قيامهم بأعمال حرفية
مختلفة كشق الطرق وحفر الخنادق
واصلاح الجسور واقامة السدود
وتشييد القصور والحصون. وكان
الفلاح مرغماً ايضاً على دفع
مقررات تشمل المكوس على التجار،
والضرائب المختلفة، كضريبة الرأس
(رمزاً للعبودية) وضريبة العشر
على الانتاج. وهنا يذكر "ابن
جبير" ان الصليبيين كانوا يأخذون
من سكان جبل عامل الذين يقطنون
بين "تبنين" و"عكا" نصف الغلة عند
اوان ضمها، وجزية على كل رأس
ديناراً وخمسة قراريط ولهم على
ثمر الشجر ضريبة خفيفة ايضاً.
اما
الاحتكارات فقد كانت متنوعة ايضاً
وتشمل: (الطاحونة والمعصرة
والفرن) بالاضافة الى ما كان يفرض
على الفلاح من "الحلوان" عند
انتقال حق حيازة الارض من فرد الى
آخر.
وللدلالة على مدى
استغلال الصليبيين للمناطق التي
سيطروا عليها ما ذكره "فوشيه
شارتر"
(Foucher de charter)
احد مؤرخي الحروب الصليبية
المعاصرين لها, فقال: ما معناه
"ان الغربيين قد تحولوا الى سكان
شرقيين.. فالفرنسيون والايطاليون
ليسوا الان سوى مواطنين فلسطينيين
وان ابن مدينة الريمس او مدينة
شارتر قد تحول الى صوري او
انطاكي. لقد نسي الفرنجة اصلهم،
بحيث اصبح الواحد منهم يمتلك
بيتاً وعائلة ويتكلم لغة البلاد.
ومن كان هناك فقيراً اصبح هنا
يتمتع ببحبوحة العيش، ومن لم يكن
يملك في اوروبا حتى ضيعة صغيرة
اصبح هنا سيداً لمدينة بأكملها.
فلماذا نرجع اذن الى الغرب طالما
الشرق يحقق رغباتنا؟".
3-
العصر المماليكي
استفاد
المماليك من تجربة الايوبيين
والصليبيين فربطوا اقطاع الارض
بالتنظيم العسكري واعتبروا الارض
ملكاً للسلطان وجنوده. وكانت
اهمية الاقطاعية توازي أهمية
الرتب العسكرية. بل ان أهمية
الفرد في العهد المملوكي كانت
تختلف بحسب الطبقة التي ينتمي
اليها، كما ان العلاقة بين
الطبقات نفسها كانت تختلف باختلاف
وضعها في السلم الاقطاعي. وعلى
هذا الاساس شكلت منطقة جبل عامل
جزءاً من هذا التنظيم الذي فصله
"القلقشندي" من حيث الالقاب
والملابس وانواع الوظائف. أما
"المقريزي" فقد جعل المجتمع
المملوكي سبعة أقسام:
-
أهل الدولة
-
أهل
اليسار من التجار
-
أولو النعمة من ذوي الرفاهية
-
الباعة
-
أهل الفلاحة والحراثة وسكان القرى
والريف.
-
الفقراء (من الفقهاء وطلاب العلم
والجنود والاجراء وأصحاب المهن)
-
ذوو الحاجة
بعد جلاء
الصليبيين شعرت العائلات
الارستقراطية –ومنها شيعة كسروان،
مالكة الارض، امام التقسيم الجديد
للارض والسلطة- ان مصالحها مهددة
ببروز قوة المماليك الذي ارادوا
مركزة السلطة وحصرها بين ايديهم،
فاعتبروا ان لبنان وسورية وفلسطين
قسم لا يتجزأ من دولتهم، وامام
تمسك الكسروانيين بسلطتهم،
واستغلال التنوخيين لهذا النزاع
ليوسعوا اقطاعهم على حساب الشيعة،
خرج احد قواد المماليك من دمشق
بجيش عظيم وضرب ضياعهم واقطع
كرومهم ومزقهم بعدما قاتلهم احد
عشر يوماً وملك الجبل عنوة، ووضع
فيهم السيف، وأسر ستمائة رجل،
وغنم العسكر منهم مالاً عظيماً،
فهاجر الشيعة على اثرها الى مناطق
جنوب لبنان وخاصة منطقة "جزين"
منه. وازاء فشل جميع الحركات
الدينية التي قامت في منطقة جبل
عامل ضد المماليك استغل "بنو
بشارة" موالاتهم للماليك الذين
اقطعوهم منطقة جبل عامل. ولم ينته
دور هذه العائلة الاقطاعية حتى
اوائل القرن السادس عشر، عندما
قضي عليها امراء البقاع من "آل
الحنش".
4-
العلاقات الاجتماعية والثقافية في
جبل عامل في العهد الصليبي
تعتبر دعوة
"بابوية" القرون الوسطى لتخليص
بيت المقدس من المسلمين في جوهرها
دعوة دينية. فالعامة تقبلتها اثر
االروايات المتواترة عن اضطهاد
المسيحيين الحجاج وتخريب كنيسة
القيامة. ومع ذلك طغت النوازع
الدينوية في هذه الحروب على
النوازع الدينية، حيث ان غالبية
الصليبيين –من ملوك وقادة وبتشجيع
من الجمهوريات الايطالية
التجارية- اشتركوا في هذا الغزو،
بغية تحقيق مكاسب سياسية
واقتصادية في الشرق العربي.
ولهذا،
فالحملة الصليبية الرابعة بدل ان
تتجه نحو القدس لتخليصها من
الايوبيين جنحت نحو القسطنطينية
واستولت عليها، ونهب الصليبيون
كنائسها وأديرتها.
وفي الواقع،
ان ما قيل عن اضطهاد السلاجقة
للمسيحيين لا يدخل ضمن خطة عامة
ومرسومة بقدر ما يشير الى بعض
الحوادث الفردية التي تعرض فيها
الحجاج المسيحيون لاعمال السلب
والنهب. وبطريرك القدس في هذه
الاونة يذكر في احدى رسائله "ان
المسلمين قوم عادلون ونحن لا نلقى
منهم أي أذى او تعنت".
فعلى الرغم من
الصبغة الدينية التي اتسمت بها
هذه الحرب، وعلى الرغم من انحياز
بعض نصارى لبنان الى جانب
الصليبيين، فالتاريخ الاجتماعي
يرفض اعتبارها انقساماً دينياً او
حرباً طائفية. لان السبب الحقيقي
لوقوف هؤلاء النصارى الى جانب
الصليبيين يرجع في اساسه الى
عاملين أثنين:
اولاً : ان
نمط الانتاج الاقتصادي في ذلك
الوقت كان يتخذ شكلاً اقطاعياً.
ولهذا كان من مصلحة اسياد لبنان
من المسيحيين، بما لكلمة السيد من
مدلول اقطاعي، ان يجبروا اتباعهم
على الوقوف الى جانب الفاتحين
الجدد الذين عملوا على تغريرهم
طمعاً في كسب اراض جديدة يضمونها
الى اقطاعاتهم على حساب ولاة حكام
الدولتين الفاطمية والسلجوقية.
ثانياً : ان
جوهر العلاقات الاجتماعية التي
كانت سائدة في مجتمعات العصور
الوسطى هي الرابطة الدينية، لان
المعنى الحقيقي للقومية لم يكن
واضحاً في هذا الوقت بقدر وضوح
الولاء الديني. ولهذا اطلق على
هذه العصور تسمية "عصور الايمان
الديني".
ولكن ما ان
اصبح الصليبيون اسياد البلاد حتى
اخذوا بمعاملة المسيحيين
والمسلميين على السواء وكأنهم
اتباع (نصف عبيد) مما أدى الى
قيامهم بعدة انتفاضات (باعتراف
مؤرخ الصليبيين وليم الصوري)
بمساعدة المسلمين، مسجلين بذلك
صفحة ناصعة في تاريخ العلاقات
الاجتماعية بين اللبنانيين
جميعهم.
ولكن سرعان ما
كانت العلاقات تستقر بين الطرفين
نتيجة لضرورة التعامل التجاري
والحوافز الاقتصادية التي كانت
تربطهما. وابن جبير الذي زار
لبنان في هذه الفترة يخبرنا بذلك:
"من العجب ان النصارى المجاورين
لجبل عامل اذا رأوا به بعض
المنقطعين من المسلمين جلبوا لهم
القوت واحسنوا اليهم، ويقولون
هؤلاء ممن انقطع الى الله عز وجل
فتجب مشاركتهم".
اما في وصفه
لحالة سكان جبل عامل في تلك
الفترة فيذكر قائلاً: "رحلنا من
تبنين، دمرها الله، (اشارة الى
انها بأيدي الافرنج) وطريقنا كله
|