الكيان السياسي لجبل عامل قبل 1920

 

بقلم: د. منذر جابر - بيروت 1979

مشكورة خطوة المجلس الثقافي للبنان الجنوبي، فهي تتعدى تقليب صفحات من تاريخ جبل عامل الى ما هو أبعد من ذلك: أعني فتح ملف هذا التاريخ وهو تاريخ مضيّع منسي مرات عدة:

- مضيع أولاً على يد المؤرخين اللبنانيين، فجبل عامل عندهم خالة لهذا الوطن وليس أما، فلا يذكر في كل مراحل التعليم في لبنان، مدرسة وجامعة، الا مرة واحدة عندما أقطع أمير جبل لبنان آل علي الصغير بلاد بشارة بعد معركة عين داره.

والمؤرخون اللبنانيون يؤكدون دائماً على خصوصية المؤسسات الاجتماعية والسياسية اللبنانية، خصوصية كانت وعلى طول الحقب التاريخية "لبنانية صافية، ولكي تحافظ هذه المؤسسات على قدسيتها ولبنانيتها وطهارتها كان لا بد من تغييب التاريخ الخاص بكل منطقة، وبالتالي بكل طائفة، فتخبو والحالة هذه جميع نيران الصراع الكامن والمتفجر حيناً، ويصبح جميع اللبنانيين أخواناً في عائلة "معتمة".

- وتاريخ جبل عامل مضيع ثانياً على يد المؤرخين العامليين انفسهم فالأدبيات العاملية التاريخية، مجموعات موميائية لذكر الوقائع التي تقوم على المصادفة وعلى تراكم الأحداث، والتي تتفق مع هدف معين، وسردها يخلو من عمل التحليل والتعليل والاستنتاج، بالاضافة الى أن كل الكتابات العاملية التاريخية تنطلق أساساً من مجموعة أساطير، هي الآن ثوابت ومسلمات تاريخية تعلو عن النقاش: أسطورة الأصل الواحد (بنو عاملة)، أسطورة التشيع على الصحابي أبي ذر الغفاري، الأساطير التي ترويها العائلات العاملية عن ماضيها أو تختلقها لماضيها.

- وتاريخ جبل عامل مضيع ثالثاً على يد العامليين أنفسهم، فحال هذا التاريخ مع أصحابه الحقيقيين ليس بأحسن منها مع المؤرخين: "لقد أحسست بسحر لا يتحدد وأنا استمع الى متواليين عجوزين ذوي لحى بيضاء، يتحدثان عن مجد المتاولة السابق وعن قوة أجدادهم في سوريا، ثم بعيون دامعة راحا يتحدثان عن ذلهم الحالي وعن مآسيهم في عهد الجزار المخيف" (1). هذا ما يرويه رحالة زار منطقة جبل عامل في ثلاثينات القرن الماضي، وهو ما يزال ينطبق حتى الآن، فالتاريخ في جبل عامل ما زال ختيارا له لحية بيضاء يروي أخباراً متناقلة عن الماضي، ومجموعة من الذكريات غير البعيدة في الزمن والمحفوظة في صدور أقلية من الناس تردد ما يخطر لها منه في حلقات ومجالس ضيقة، فالتاريخ في جبل عامل ما زال تسلية مثقفين، دينيين على الأغلب، لا شاغلاً جماعياً أو تراثاً شعبياً لجماعة تجد فيه صوراً لنفسها ماضياً وحاضراً ومستقبلاً.

لقد خضع جبل عامل منذ عام 1920 لتبدل قسري خض حياته وهزها، فقد وجد نفسه آخر الآمر جزءاً من دولة، مؤسسة، لم تكن له فيها شركة من قبل، اعتبر فيها "قاروطاً" ضائعاً يعتاش على ما تجود به يمين "الخالة" وأولادها الشرعيون. كما أن اقتصاده مع ظروف ما بعد 1920 أفلس أو كاد: الزراعة توشك أن تكون عملاً مجانياً لا يسد الرمق، والحرف ضاقت دائرتها فهجره حرفيون ولجأوا الى مصانع المدينة، والتجارة أمسك بخناقها بعد أن سدت في وجهها أبواب فلسطين وسوريا. باختصار أخذ جبل عامل، جنوب لبنان، يبدو وكأنه بلا حياة، فليس من الحياة الاجتماعية الا بعض سهرات يقيمها صبغاً بعض سكانه الهاربين من حر المدينة. أما في الشتاء فليس الا النسوة والعجائز، والباقي من أهله فمقيم في العاصمة متنقلاً في سكناه مرات عدة بين أحياء بائسة موحلة، يؤدي على الأغلب أكثر الأعمال شقاء وأقلها أجراً، دون أن يعرف استقراراً في عمله أو ثباتاً، وليس له من المراكز الثقافية الا ما تحفظه الذاكرة عن مدارس قديمة كانت في ميس وعيناتا والكوثرية وبنت جبيل، وحتى لو تواجدت فيه بعض مراكز للثقافة فانها تفتقد الحوار أو حتى اللغة المشتركة، "فالمثقف الديني والمثقف الماركسي لا يعترفان ببعضهما البعض والواحد منهما يجد حديث الآخر من غير لغته، وشواغله من غير شواغله، وأسئلته وأجوبته وقضاياه هي غير ما يطرح من أسئلة وأجوبة وقضايا".

في هذا السياق، سياق هجرة العامليين عن جبل عامل، المثقفون بفكرهم والآخرون بوجودهم وعملهم، فمن الطبيعي ان يضيعوا تاريخهم وثقافتهم، وهكذا يبدو جبل عامل وكأنه بلا تاريخ أو أنه لا يحتاج تاريخاً، فالتاريخ، التراث، لا يمكن أن يرافق العامليين على طريق هجرتهم وتنقلهم بين عمل وعمل، بين القرية والمدينة.

وإذا كان التاريخ بالدرجة الأولى، "هم" المثقفين، فإن لهؤلاء أيضاً شاغلهم، الشاغل والأهم هي الوظيفة، بها يدخلون مرحلة "التاريخ" فهي مدفن بؤسهم وبؤس آبائهم، وهؤلاء لا يعون ان لجبل عامل تاريخاً الا في اللحظة التي يكفون بها عن انتاج تاريخهم الخاص، أي في اللحظة التي تسد في وجوههم أبواب الرزق وأبواب الترقي، بحيث يباتون لا يملكون شيئاً الا ما تمليه عليهم حاجات المدينة وغايات رأسماليتها.

بعد هذه المقدمة في ضياع التاريخ العاملي، إسمحوا لي أن أستبق حديثي عن الكيان السياسي لجبل عامل قبل 1920 وأثره في الوعي والفكر الشيعيين، بملاحظتين منهجيتين:

1 - أن كلمة كيان هنا لا تعني انفصالاً أو حاجزاً اجتماعياً تاريخياً وجغرافياً بين جبل عامل وجواره، كما توهم بعض الرحالة الاجانب حين قال ان نهر الليطاني سمي عند مصبه بالقاسمية لأنه يقسم. بفصل بين أمتين متمايزتين ديناً وعرقاً. وانما كلمة كيان هنا يتحدد معناها بحدود التمايز والخصوصيات الجزئية الاجتماعية والسياسية ضمن التاريخ العام الموحد والجامع لكل سكان المشرق العربي.

2 - أن البحث هنا لا يحيط بالظروف الاجتماعية والسياسية والاقتصادية لنشوء الكيان السياسي لجبل عامل، لأن البحث في هذه النقاط بتعمق سيوقع في تكرار لما سبق وتفضل به المحاضرون السابقون. فالتركيز في الحديث سيكون أساساً على كيفية انعكاس هذا الكيان في وعي وفكر الشيعة.

***

فخر الدين الثاني. التلميذ الأمين لمكيافيللي، حسب تعبير لوتسكي. هو "قابلة" التواريخ الخاصة "لبلاد" المنطقة. بطرحه مشروعاً استقلالياً هو الأول من نوعه في فترة كانت الامبراطورية العثمانية تدخل أزمتها التي استولت عليها وكانت نذيراً بالتدهور الذي أخذ من القرن الثامن عشر يظهر بشكل واضح جلي. وقبل الأمير المعني يصعب تلمس موقع واضح القسمات والملامح لجبل عامل في تاريخ المنطقة اجمالاً، على الرغم من جهد بعض المؤرخين الشيعة في رصد تاريخ خاص للجبل منذ تواجد قبيلة عاملة الأول مروراً بكل العهود التي عرفتها المنطقة حتى الآن، وهو تاريخ يبدو على يد أصحابه اسلامياً حيناً، عربياً حيناً آخر، مضطهراً في كل الأحيان.

في ميزان الأمير فخر الدين وحساباته كان لجبل عامل وزن خاص: اهراء حبوب في متناول يده لا يقاسمه اغترافه أمير محلي آخر (كابن سيفا وسهل عكا) ولا يرى فيه باشا دمشق مجالاً حيوياً لباشويته كما يرى في سهل البقاع. وقلاع جبل عامل الكثيرة (الشقيف. تبنين، دبين، شمع، دير كيفا، هونين) أحوج ما يكون لها الأمير على أبواب صيدا للحجاج الأوروبيين الذين تعهد الأمير لبعض ملوك الغرب بحمايتهم في طريقهم الى بيت المقدس. أضف الى ذلك أن الشيعة يمنيون، والأمير فخر الدين رأس القيسيه. وصراع القيسية واليمينة في مداه آنذاك. ويمنية شيعة جبل عامل تأخذ بعداً أكبر في سياسة الأمير. اذ أن علاقات متينة تربطهم مع شيعة بعلبك آل حرفوش. وهؤلاء على طيب علاقة مع باشوات دمشق الأتراك ووقوفهم الى جانب مصطفى باشا ضد الأمير فخر الدين في معركة عنجر بين واضح، كل هذه الحوافز، خاصة مع وجود مشروع استقلالي كبير كالذي عند الأمير، لم تكن لتسمح أبداً بتدوير زوايا الصراع وتجاوزه بين جبل لبنان وجبل عامل، فمنذ البدء كان خصماً عدائياً لا يحتمل المساومة. (2)

غياب الأمير فخر الدين لم يعن زوال مبررات الصدام بين الجبلين، فالأمير، وإن كان قد فشل في تحقيق مشروعه الاستقلالي. فانه قد نجح الى حد بعيد في جعل ميزان التفاوت الكائن في درجات التبعية للامبراطورية العثمانية يميل لصالح امارته جبل لبنان. فالبرغم من أن كل سوريا كانت ولاية عثمانية، فان سلطة الباب العالي كانت إسمية على جبل لبنان، مقارنة لها بغيرها مع باقي مناطق سوريا. وخاصة مقارنة لها مع منطقة مقطوعة الرأس كجبل عامل.

العلاقة مع الشهابيين خلفاء المعنيين، لم تجمد هذا الطابع الصدامي او تنحو به منحى آخر. فقد بدأت متفجرة مع السنة الأولى التي تولوا فيها الحكم (1698) مع الأمير بشير الراشاني (3) وتتابعت على نفس النسق مواكبة تغير الأمراء في الجبل. أو تغير الباشوات العثمانيين في دمشق أو صيدا، وقد دفع الشيعة فواتير تلك المعارك خسائر في الأرواح والأرزاق "بجدارة شيعية عالية". حتى كان عام ،1744 حيث تمكنوا من تسجيل انتصارهم الأول على أمراء جبل لبنان بشخص الأمير ملحم الشهابي (4) وأتبعوه بانتصار آخر عام 1749 في معركة جباع ومرجعيون (5)، ولا يخفف من نتوء هذه الظاهرة وأهميتها في مجرى العلاقة بين جبل لبنان وجبل عامل انتقام الأمير ملحم واحراقه بعض القرى ووصوله حتى بلاد بشارة (6).

لقد أحدث هذان الانتصاران تغييراً في "الوجه التاريخي" لمنطقة جبل عامل الذي كان نهر هزائم وآلام ينبع من كربلاء ويصب في موقعة أنصار الثانية عام 1743 وكانت اكتمالاً لنشوء كيانه السياسي تحت قيادة شيخ المشايخ ناصيف النصار الوائلي عام ،1749 وهي تجد مقوماتها في اهتزاز المنطقة السياسي آنذاك: فقد عرف النزاع اليزبكي ــ الجنبلاطي بداية اهتياجه في جبل لبنان مع قرب نهاية الأمير ملحم الشهابي بدون عقب، والأمير بدوره على خلاف مع باشا دمشق لتخلفه عن دفع ميري الجبل. ظاهر العمر الزيداني على حدود جبل عامل الجنوبية على خلاف مع ابنائه من جهة ومع باشا دمشق من جهة أخرى. رقعة التعامل السياسي تضيق وتصغر والتوازن فيها دقيق وغير محسوم، وهنا تبدو لجبل عامل أهمية خاصة ووزن أكبر، فهو أكثر المناطق استقراراً بعد توحده الآنف الذكر تحت قيادة ناصيف النصار وضمور الخطر الخارجي على حدوده.

ولكن العامل الحاسم في تغير الوجه التاريخي وولادة الكيان السياسي لجبل عامل، كان وجود ظاهر العمر على الطرف الجنوبي، فقد وجد فيه العامليون الحلقة المفقودة - على الأرض طبعاً - خلال كل تاريخهم الطويل في المنطقة، وهو بدوره رأى فيهم خط دفاع عن مقاطعته صفد التي كانت هدفاً لأغلب غزوات الأمراء الشهابيين ابتداء من ،1698 ولكن أثر هذه الحملات كان يصل بلاد صفد بارداً، بحيث لم تتأثر بها بنفس المقدار الذي كان يتأثر به جبل عامل. وهكذا كانت منطقة جبل عامل وبلاد بشارة على الأخص بوابة لمقاطعة صفد ولفلسطين بالتالي، بالنسبة للأمراء الشهابيين وولاة الدولة العثمانية، وبالمقابل فبالنسبة لظاهر العمر كانت إما سياجاً وإما على الأقل رمالاً متحركة تصونه أمام أخصامه. لا بد إذن من تحالف بين الطرفين، فالخصم مشترك، لذلك رأينا ظاهر العمر بعد أن استطاع الأمير ملحم الوصول الى بلاد بشارة للمرة الأخيرة سنة 1749 "خائفاً وأخذ يجدد أسوار عكا" (7). وفي ظروف الضعف التي كان يعاني منها الطرفان كان التحالف في بدايته ضمنياً خفراً. ومع الوقت أخذ التحالف يبدو للعلن بمساعدات عسكرية فعلية يقدمها ظاهر خاصة في المعركتين اللتين ربح فيهما الشيعة ضد الأمير ملحم. ثم تطور سنة 1767 م (1181 هـ) الى معاهدة قد تكون الأولى من نوعها بين حكام المنطقة، فقد كانت كما جددها ميخائيل نقولا الصباغ "محالفة دفاعية هجومية" (8).

التحالف مع ظاهر العمر أنزل الشيعة ولأول مرة كطرف في لعبة المنطقة، من موقع التحدي للدولة العثمانية، بوقوفهم مع علي بك الكبير حاكم مصر ومحاولته الابتعاد عن السلطنة، وقد خاض الشيعة في عامي 1770 - 1771 منفردين أو بمساهمة متكافئة مع ظاهر معارك خمس كبيرة: نابلس، دمشق، الحولة، كفر رمان حارة صيدا، ضد الأمير يوسف منفرداً أو متحالفاً مع عثمان باشا والي دمشق أو ابنه درويش باشا والي صيدا، وقد انتصروا فيها جميعاً واحتلوا صيدا مع ظاهر ودخلوا دمشق مع أبي الذهب قائد حملة علي بك الكبير الى سوريا (9).

ان هذه الانتصارات البكر التي فاز بها الشيعة ضد أمير الجبل يوسف الشهابي وولاة الدولة العثمانية، كانت أكبر من ان يتحملوا، بكيانهم الناشئ المدين بولادته الى سند خارجي، نتائجها، فمع زوال هذا السند (ظاهر العمر) على يد الجزار، وقفوا ضائعين بلا حول ولم تنفع وفودهم وهداياهم في رد طغيان الجزار عليهم، وقد وقع عام 1780.

ودخول الجزار الى جبل عامل كان أبعد أثراً مما تقف عنده الأدبيات العاملية: دخان المكتبات المحروقة ورائحة الجثث، وذلك لأن فترة ما بعد الجزار مع الأمير بشير الشهابي الكبير، عرفت تحولاً جذريا في علاقة جبل لبنان بجبل عامل. ففي الوقت الذي كان فيه امراء الجبل اللبناني ابتداء من فخر الدين الثاني (10) يدخلون جبل عامل غزاة جباة، دخله الأمير بشير حاكماً شرعياً باجماع مشايخه الذين اجابوه صاغرين بعد أن حدثهم عن دوره الكبير لدى سليمان باشا خليفة الجزار في ارجاعهم الى بلادهم "انهم يأمرون بكل ما يريده ويرسمه" (11). صحيح ان مشايخ جبل عامل انذاك كانوا محشورين في بضعة قرى من اقليم الشومر، بموجب صك الصلح الموقع بين سليمان باشا و"الطياح" في جبل عامل الذين استطاعوا بعد حركة مسلحة طويلة التخلص من سيطرة المشايخ (12)، ولكن هؤلاء "الطياح" وهم الغالبية الفلاحية في جبل عامل عادوا وانضووا تحت سيطرة المشايخ للتمكن من الوقوف في وجه السياسة الابتزازية للأمير بشير الشهابي. ولأول مرة يدخل الشيعة في النظام العائلي الاجتماعي لجبل لبنان وعلى رأسه الأمير بشير الشهابي "رأس سائر العشاير، على كل حال المشايخ المذكورين 1 مشايخ جبل عامل) من العشاير التي هو رأسها" (12). لقد أخضع هذا الانضواء الطوعي منطقة جبل عامل للتأثيرات التي خلفتها سياسة الأمير بشير والتي كان لجبل عامل فيها اعتبارات خاصة، ليس أقلها مردودها المالي، وحاجة الأمير لها في أحداث واقعة أو مستجدة سواء منها داخل الامارة أي في صراع الأمير مع عائلات جبل لبنان أم في علاقاته مع الدولة العثمانية وباشواتها.

عام 1864 وبموجب التنظيمات الجديدة لمنطقة سوريا الحق جبل عامل بولاية بيروت، وهذا يعني أنه أصبح جزءاً عضوياً من ولاية شاملة متسعة على عكس وضعه السابق، وهذا ما جعل العلاقة بينه وبين لبنان تتخلى عن صداميتها العسكرية بعد "الحجر السياسي" الذي فرض على الأخير بموجب نظام المتصرفية. ولكن هذه العلاقة اتخذت مساراً جديداً لا يقل استنزافاً وصدامية: لقد أصبح جبل عامل وفلاحوه رهائن للمرابين القادمين من صوب بيروت وجبل لبنان (ال جوهر، آل غندور، آل الصلح، آل فرنسيس، آل الشمعة، آل مجدلاني، آل عودة)، وقد توكأت هذه البرجوازية في مد سيطرتها على جبل عامل على ازدهار زراعة التبغ فيه في النصف الثاني من القرن التاسع عشر. وقد كان ازدهار الزراعة على حساب المزروعات الغذائية التي تقلصت وافسحت امامها أخصب الأراضي. ولكن هذه الزراعة عادت وضربت بعد احتكارها من قبل شركة الريجي الفرنسية في أول الربع الأخير من القرن التاسع عشر التي فرضت شروطاً على هذه الزراعة، لقد "أخذت الريجي بمصير زراعة التبغ في مناطق معينة وذلك ليتسنى لها حصر الانتاج في أماكن ضيقة تسهل مراقبتها لمكافحة الانتاج اللاقانوني وتهريبه، وكان كل فلاح يود زراعة التبغ مطالباً بالحصول على إذن من الشركة، ولم يكن كل فلاح قادراً على نوال هذا الإذن، فلكي يحصل الفلاح عليه كان لا بد له، وحسب نظامها من التصرف بأرض لا تقل عن خمس الهكتار وأن تكون محاطة بسياج، والا تكون المساحة الفاصلة عن المدينة بأقل من 3 كلم، وان تكون صالحة لزراعة التبغ" (14).

ان هذه الشروط مجتمعة في منطقة كجبل عامل تضيق فيه الملكية الصغيرة التي كثيراً ما تقل عن الحد المطلوب قانونياً أدت الى تدهور الزراعة فلكي يستطيع الفلاح أن يزرع تبغاً كان عليه استئجار أرض اضافية وبأسعار عالية، وأن يستدين ليبني سياجاً، وأن "يرضي" أصحاب العلاقة ليقرروا ان كانت أرضه صالحة لزراعة التبغ، وهذا التدهور أدى الى تجميع الملكيات الصغيرة أو انتقال الملكيات الكبيرة، نتيجة عمليات الربا والرهن الى أيدي قلة متمولة من خارج جبل عامل (البرجوازية البيروتية واللبنانية. آل العظم يملكون مطاحن وادي الحجير). لان الفئآت المتمكنة في جبل عامل (آل الأسعد، آل الفضل) لم تكن قادرة على تخطي اصولها الاجتماعية والدخول في شبكة العلاقات الرأسمالية. هذا بالاضافة الى الابتزاز الذي كان يفرضه منطق التبعية الاقتصادية، فقد كان أهالي جبل عامل ينهبون كمستهلكين، في نفس الوقت الذي كانوا ينهبون فيه كمنتجين عن طريق شراء محاصيلهم بالأسعار التافهة. ان هذه السيطرة الاقتصادية هي علاقة صدامية بحد ذاتها، فالتاجر "الأجنبي" يبقى أجنبياً دوماً، على الرغم من تبلده وسكنه في جبل عامل (آل عودة، آل فرنسيس، آل جوهر، آل مجدلاني..) وقد ترافقت هذه السيطرة بأخرى سياسية فقد أصبحت هذه البرجوازية المرجع الأول في القضايا الحاسمة في جبل عامل: ففي الخلاف الذي نشب في أواخر ستينات القرن التاسع عشر داخل أسرة آل السعد "جاء أحمد باشا الصلح. وأصلح بين الزعيمين، فأعيد تامر بك لمقاطعته وبقيت الرياسة لعلي بك" (15).

عام 1920. عام التحول السياسي في حياة المشرق العربي السياسية، كان كذلك عام الحسم بالنسبة لعلاقة جبل عامل بجواره وخاصة بجبل لبنان، وهو عام تصفية الكيان الذاتي الذي كان قد كسبه جبل عامل ابتداء من سنة ،1749 وذلك بقيام دولة لبنان الكبير، وبهذا الضم الجديد تتكون مجموعة من التناقضات على الأصعدة المختلفة الاقتصادية والاجتماعية والثقافية والسياسية، ليس أقلها الشرخ السياسي اللبناني بين دعاة الوحدة السورية، واستطراداً العربية الرافضين لبنان كيان مستقلاً، وبين دعاة لبنان المستقل، وهذان الاتجاهان السياسيان ما زالا تقريباً يلخصان الحياة السياسية في لبنان.

لقد وقف العامليون بصلابة مع الحركة العربية عام 1916 - 1920 وساهموا بفعالية في طرد الاتراك، وتابعوا عصاباتهم المسلح ضد وجود الحلفاء وضد مشاريعهم السياسية لتقسيم سوريا، بقيادة صادق الحمزة وأدهم خنجر، وكان مطلبهم الواضح الالتحاق بالمملكة السورية. وليس المجال هنا للحديث بالتفصيل عن هذه الحركة المسلحة "العصابات" التي تمكنت من اقفال جبل عامل بوجه الفرنسيين. ولكن الشيء الملفت للنظر ان هذا الموقف الوطني الواعي لجماهير العامليين ينقلب في اللحظة الأخير ويتمحور الى هجوم على بعض القرى المسيحية (عين ابل)، بالرغم من أن العصابات العاملة في جبل عامل وخاصة كبرياتها (عصابات صادق الحمزة وأدهم خنجر) كانت أبعد ما تكون في طروحاتها عن العمل الطائفي. ففي مؤتمر وادي الحجير الذي انعقد في 24 نيسان. 1920 "جلس صادق أمام العلماء والقرآن بين ايديهم فأخذوا عليه وعلى رجاله الايمان المغلظة ان لا يتعرض لاحد من المواطنين ابناء جب