حول قبر الشيخ ناصيف النصار والاهمال اللاحق به*

فوزي بعلبكي

 

يقدم العرض مادة وصفية تحليلية لقبر الشيخ ناصيف النصار المنسي، ولا يقدم تعريفاً بالرجل على الرغم من الدور المشرق الذي لعبه في تاريخ جبل عامل والمنطقة؛ فقد جمع شمل العامليين بمواجهة الأخطار المحدقة بهم، كاسراً، بذلك، العطالة التاريخية التي اتسم به جبل عامل منذ حروب الفرنجة فصاعداً؛ فأخرجه من شرنقته بفضل التحالفات التي نسجها مع كل من الحرافشة في البقاع، والجنبلاطيين في جبل لبنان، وظاهر العمر في فلسطين، وعلي بيك الكبير في مصر. فكان سعد الطالع في جميع المعارك التي خاضها شرقاً وشمالاً وجنوباً، حتى سقط شهيداً في معركة يارون جنوب بنت جبيل، على أيدي مرتزقة احمد باشا الجزار العام 1780 م، ودفن في أرض المعركة. وما نقدمه من اثباتات وبراهين يؤكد صحة نسب القبر إلى الشيخ ناصيف؛ وهذا الجهد استدراك للإهمال الذي لقيه القبر من المسؤولين بعامة ومن السياسيين الوائليين عصبة الشهيد بخاصة. وكتابة من هذا النوع تأتي لتحضّ الناس على إبقاء ذاكرتهم مفتوحة على مسائلهم وقضاياهم التاريخية؛ فبضياع الأصول يضيع التاريخ!

 

في نبرة شاكية لا تخلو من اللوم والعتب يصف السيد محسن الأمين جبل عامل، في خططه، بأنه (مضيعة العلماء أحياء وأمواتاً)؛ ومؤدى النقمة عند السيد - بحسب ما نعتقد - يعود إلى غياب الحس التاريخي - الوجداني عند العامليين تجاه أعيانهم، ما أدى إلى اندثار آثارهم وفقدانها، وإلى ضياع معالم قبورهم واندراسها.

حدثني الشاعر موسى الزين شراراة قال: (التقيت صدفة بالشاعر أمين نخلة على مدخل إحدى المكتبات في شارع سوريا، قبل الحرب الأهلية، فبادرني قائلاً: (يا عيب الشوم عليكم)، وكررها مراراً - والمقصود بذلك النخب العاملية - مردفاً (يا مضيعي العظماء! ... شاعر مثل محمد حسين شمس الدين لحّد هلق ما طبعتوا ديوانو؟!!) هذه الإشادة من شاعر كبير كأمين نخلة بشاعر آخر توكيد على أهمية المشاد به، وعلى إهمال ذوي الشاعر لتراث شاعرهم، الذي كان بمرتبة شوقي في الشعر ومصافه أيضاً.

نقلت كلام موسى الزين شرارة بحذافيره إلى أحد حفدة الشاعر المنوه به - (وهو أستاذ جامعي) - مثيراً فيه نزعة الانتصار لأصوله العلمية؛ لكني أصبت بالإحباط، لأن كلامي المعاد تكراراً على مسمعه لم يلقَ عنده غير (التطنيش) وعدم الاكتراث.

ليست الظواهر من هذا النوع متوقفة على خور همة ذوي العلماء والأدباء ومن يشد مشدهم؛ بل تتبدى أيضاً وبأجلى مظاهرها لدى السياسيين الذين تولوا أمور المناطق العاملية حيناً من الدهر بدون منازع. ولا نتكلم عن زماننا هذا المثقل بالضجيج والعجيج حول الأصالة وحفظـ الأصول ومصادرتهما؛ بل عن أولئك الذين هم من عصبة باني زعامتهم السياسية ومجدهم  التاريخي، ونعني به الشيخ ناصيف النصار. والسؤال المحير: كيف لم يخطر ببال أحدهم التفتيش عن آثاره، حتى أوشك قبره على أن يصبح نسياً منسياً؛ لولا قلة قليلة لا تتجاوز أصابع الكف.

والدخول في الموضوع من بوابة الشيخ ناصيف النصار له شؤونه وشجونه؛ نكتفي منها بالحديث عن قبره، وهذا أيضاً كان يمكن أن يكون مطوياً طي السجل على النسيان، لولا بعض الغيارى ممن ينقبون عن تاريخ بلدهم، حتى أصبح الاهتمام هاجساً يقلقهم ويأخذ عليهم راحة البال.

وأياً تكن ذرائع السياسيين أو بعضهم، فإن السيد محسن الأمين لم يترك ذريعة لمتذرع، حيث يذكر - في خطط جبل عامل - أنه زار القبر وقرأ عليه الفاتحة سنة 1349 هـ؛ ما يؤكد صراحة على كينونة القبر واشتهاره في ذلك الوقت من دون لبس أو غموض.

وعلى الرغم من اهتمامي، حديثاً، بتاريخ المنطقة بعامة، وتاريخ جبل عامل بخاصة؛ إلا أنني لم اسمع، من قبل، بوجود قبر معلوم لناصيف النصار؛ وكنت أظن أنه دفن في مكان غير معروف؛ لعلمي المسبق بما حدث للمنطقة من كوارث ونكبات عقب وفاة ناصيف. وكان تقديري أن (المنتصر) سوف يخفي ذكره بتاتاً لكيلا يتحول القبر إلى مزار يتبرك به محبوه. واعترف بتقصيري لهذه الجهة.

فاجأني، حديثاَ، الزميل الحاج منذر فواز - (المهتم بتاريخ تبنين متخذاً موقعاً لها على (الانترنت) - حين قال لي والغبطة تشع من وجهه: (لقد عثرنا على قبر ناصيف النصار!) فسألته بدهشة: (وكيف كان ذلك)،  فأجابني: (في بلدة يارون) وبدأ يسرد آلية وصوله إلى هذه المعرفة وتسلسلها انتهاء باسم المرشد اليها. فكان لا بد لي من القيام بـ(مشوار) لاستطلاع الموقع والتأكد من صحة القول.

وبعد إجراء المقتضى من اتصالات مسبقة وما شابه؛ وصلنا إلى بلدة يارون القريبة من بنت جبيل؛ حيث كان في استقبالنا رئيس البلدية السيد كمال الرضا، فقام بإرشادنا، مشكوراً، إلى مكان القبر؛ متبرعاً، أيضاً، باصطحابنا في جولة، ليس فقط إلى الجبانة، بل إلى أماكن أثرية كصخرة ناصيف وبعض المعالم الأخرى.

 

وصف القبر

تقع جبانة يارون القديمة على المنحدر الشمالي لمركز البلدة العتيقة - (هي الآن في وسط البلدة المتسعة) - إلى الغرب من مركز البلدية وبمحاذاتها؛ حيث لا تتعدى مساحتها مئات الأمتار المربعة، تسورها جدران عالية يحفظها من عبث الأولاد ومن سيول الأمطار الجارفة؛ وتعد قبورها بالعشرات لا أكثر ما يعطي فكرة واضحة عن صغر البلدة قبل نهضتها العمرانية الحالية، وأن معظم قبورها مبنية بالحجر الكلسي. ولا يمتاز قبر ناصيف عن سواه من أرماس البلدة، فهو مؤلف من ثلاث طبقات متدرجة بعضها فوق بعضها الآخر ومن طبيعة الحجار ذاتها، يعلوها (صبة) رقيقة من الاسمنت فوقها ناصية حجرية لجهة الغرب، مكتوب عليها بالحفر الغائر كترويسة: (الفاتحة) وتحتها (ضريح المرحوم نصيف بيك) وفي أسفل الناصبة الكنية (الوائلي) وعلى امتداد ياء الوائلي التاريخ بالتوقيت الهجري (1330هـ).

 

التحقق من صحة نسب القبر:

لقد أوقعنا التاريخ المدون أسفل الناصية في إشكال واضح، وتبدو المفارقة محصورةبسيبسيب في حدّين متباعدين: الحد الأول عبر ما هو محفور على الضريح؛ والآخر المدونات التاريخية العاملية وغيرها؛ بحيث يخالف الأول المتعارف عليه بين العامليين والمتداول بينهم، من أن المعركة التي سقط خلالها الشيخ ناصيف شهيداً تمت في نهاية القرن الثاني عشر الهجري بقليل، وليس في الثلث الأول من القرن الرابع عشر؛ وقد اعتمد معظم العامليين على التاريخ الذي كتبه ابراهيم يحيى الطيباوي شعراً وبحساب الجُمّل كالآتي: 

قتل ابن النصار فيا لله من        مولى شهيد بالدماء مضرج

وتداولتنا بعده أيدي العدى        من فاجر أو غادر أو أهوج

هي دولة عمّ البلاد الظلم في     تاريخها (والله خير مفرج)

                                             (1195 هـ)

هذا التاريخ هو المعتمد لدى المؤرخين (المتاولة) في جبل عامل - على اختلاف تعاقبهم، المصاقب للعام (1780)؛ لكن الأمير حيدر أحمد شهاب، وفيما بعد، تبعه المؤرخ محمد كرد علي اعتبرا حدوث الوفاة في العام (1197 هـ/ 1782 م). على أننا نميل إلى اعتماد التاريخ الوارد عند ابراهيم يحيى، لأن الأخير اكتوى بنار الاضطهاد والبطش الذي مورس من قبل احمد باشا الجزار، على العامليين بعد استشهاد الشيخ ناصيف، ولأن (أهل مكة أدرى بشعابها)...

ومع ذلك لا يقاس الفارق (البسيط) بين ما ذكره الشهابي وكرد علي من جهة، وبين المؤرخين العامليين من جهة أخرى، بالمسافة الزمنية الموجودة على الضريح، حيث بلغت زهاء 135 عاماً، فإلى من نرد هذا الاختلاف بين المدون وبين المحفور؟ وهل نكذب الحجر على حساب المرويات بنوعيها المكتوب والمنقول مشافهة؟ وكيف نتدبر الفرق بين التاريخين من دون الوقوع بالتعسف والاعتباطية؟

قياساً على الملاحظة العيانية والمباشرة لطبيعة حجار وتركيب الضريح، بالمقارنة مع سواها من أضرحة جبانة يارون القديمة، تبدو كلها متجانسة تقريباً سواء لجهة تقصيب الحجار أم لجهة رصفها بشكل نمطي متدرج؛ ثم ينقطع هذا الطراز فجأة ليحل خليط آخر أكثر حداثة وأقل تجانساً. اللافت للنظـر الطراز القديم لأنه، على ما يبدو - من صنع عمّار واحد بعينه؛ ما يؤكد ذلك على أن ضريح ناصيف والأضرحة الباقية ذات الطراز الموحد كلها من جيل متقارب الأعمار.

والإشارة الأخرى الدالة على مثل هذا التقارب، تظهر من خلال الطبقة الداكنة التي تعلو الأضرحة المبنية بالحجر الجيري، أو الحواري، وتتكون هذه الطبقة من تأكسد الحجار الكلسية مع الأوكسجين لعشقها له، فيحدث بنتجيته احتراق بطيء، يضاف اليه، أيضاً، ثاني أوكسيد الكربون الموجود في الهواء المتساقط مع الندى، وبمرور الزمن تتضافر هذه العوامل جميعها لتشكل طبقة خفيفة بلون سنجابي، تظهر - بالدرجة نفسها تقريباً - على القبور المجاورة لقبر الشيخ ناصيف النصار.

والدليل الآخر على حداثة الضريح نسبياً يظهر من خلال إضافة مصطلح (بيك) بعد (ناصيف) والإضافة تلك تخالف المتعارف عليه تاريخياً بين المؤرخين أصحاب الشأن في ذلك، فقد اشتهر ناصيف النصار بلقب الشيخ وليس البيك، وكان يطلق عليه بين أقرانه من الأعيان شيخ مشايخ جبل عامل. وأول من تلقّب بلقب البيك من آل علي الصغير الوائليين - على ما أذكر - كان حمد البيك؛ وبعده تعاقب اللقب المذكور بين الأسعديين وصولاً لعصرنا الراهن. وقد منحت هذه الرتبة، العسكرية أصلاً، إلى حمد البيك بسبب مساعدة الأخير للعثمانيين في طرد جيش محمد علي باشا من بلاد الشام. وقبله لم يتلقب أحد من العشائر العاملية بعامة، والعشيرة الوائلية بخاصة، بغير اللقب العربي الصريح: الشيخ.

في سياق هذه الدلالات المتعاقبة لا بد من لفت الانتباه إلى الأعراف الشعبية العفوية، التي تأسست عقب استشهاد الشيخ ناصيف النصار؛ والتي تناقلها الناس كابراً عن كابر، قوامها ما ألمح إليه الشيخ محمد التقي الحاريصي حول تفجع العامليين على زعيمهم الشهيد؛ بحيث استمرت المراثي والمناحات ومجالس العزاء تقام عليه زهاء خمسين عاماً. وخوفاً من تناسي الناس لمقتل الامام الحسين بن علي ومآسيه، أفتى العلماء بتحريم إقامة هذه المآتم! ولا ندري إذا ما كانت تقام تلك المجالس حول القبر، أم في أماكن خاصة سرية، حسبما تميّز به أسلوبهم في التقية أثناء الشدة.

وغني عن البيان والتفسير ما نقله السيد محسن الأمين، بالتواتر، من عوائد العامليين؛ بحيث تعتبر حجة دامغة حول المتعارف عليه بين الناس من معرفة حقيقية لقبر الشيخ ناصيف النصار، يقول السيد: (ومن عوائدهم في تلك الجهات أن الفرس إذا أصابها مغص يطوفون بها حـول قبره ويرجون برءها بذلك)؛ و(المتعارف عليه عرفـاً كالمنصوص عليه نصاً).

ففي مجتمع فلاحي محكوم بالعلاقات الاقطاعية من ولاء وتبعية ومن تصوّرات ميتافيزيقية وقراءة فلاحية للأحداث؛ وفي ظل دولة صماء عجزت عن إنجاز مهامها في إيجاد بوتقة واحدة للصهر والاندماج؛ كما عجزت أيضاً عن تشكيل دولة مدنية تكسر حلقة تخلفها، دولة تحكم بالقانون وترعى الحقوق وتسودها المساواة وتكافؤ الفرص؛ تعتبر الثقافة فيه ثقافة متوقفة عن النمو. تنغلق الجماعات فيه على ذاتها لتعيد انتاج علاقاتها القديمة بالوتيرة نفسها، والتعلق بموروثها وسيادته سيادة القوى الغيبية. فترفع من قدرة أبطالها لتضعهم في مصاف المقدس، كما تعمل على تشكيل أساطيرها وتشكلها بما يتوافق ورؤيتها الفلاحية للدين، تماماً كما حصل بالنسبة للشيخ ناصيف النصار؛ الأمر الذي أبقى ذكراه حية في نفوس الناس، ليس هذا فحسب وإنما جعل الفلاحون من قبره مزاراً للتبرك به، كما يرجون منه الشفاعة كالبكاء على الامام الحسين.

هذا مجمل الملاحظات والتفسيرات التي خرجنا بها خلال جولتنا إلى بلدة يارون الجنوبية، مدعمة بما هو متعارف عليه بين الناس عبر أجيالهم المتعاقبة والمسجلة كذلك في المدونات التاريخية. ولا أحسب أن اولئك الذين تفقدوا القبر بعد التحرير، بهدف بنائه بما يليق وصاحبه من رفعة وعلو شأن، إنهم كانوا مصيبين حين تخلوا عن فكرتهم تلك، بحجة أن تاريخ القبر لا يتوافق وتاريخ المعركة.

من جهتنا نقول - من دون جزم - إن التاريخ المدون على الناصية هو تاريخ بناء القبر وليس تاريخ الدفن؛ قد يقع المرء في الخطأ - أثناء حفر التدوين - برقم واحد وفي أسوأ الحالات برقمين؛ أما وأنْ تكون الأرقام الثلاثة من أصل أربعة أرقام مخالفة لتاريخ الدفن، فتلك مسألة فيها نظر، ما يعزز الاستنتاج الذي توصلنا إليه أعلاه!...

 

بلاطة ناصيف - هنا وقع الفرس بصاحبه ناصيف النصار واستشهد عام 1195 هجرية

وتقع هذه البلاطة في جنوب بلدة يارون مقابل الحدود مع فلسطين المحتلة...

 

* بحث خاص نشر في ملحق نوافذ الذي يصدر كل سبت مع جريدة المستقبل تاريخ 25 تشرين الاول 2003

- اما الصور فخاصّة لموقع تبنين

 

 

 

لماذا هذا الموقع
أي بلدة نريد وأي مغترب
نبذة عن البلدة
القلعة
هوية جبل عامل
صفحات من تاريخ جبل عامل
Map خارطة
شخصيات
الشهداء
الاسرى
مقام صدّيق
ينابيع تبنين
أسماء العائلات
اسماء العقارات في تبنين
صُوَر Photos
التراث الشعبي في تبنين
صلاة الاستسقاء في سهل الخان
مشاركات أبناء البلدة
تعرّف على الاسلام
شتلة التبغ اللقمة المرّة
Learn how to pray
مواقع عاملية
إتصل بنا
الصفحة الاولى