صالون الشيخ محمد بري الادبي

 

ولد الشيخ محمد بري وترعرع في تبنين، وكان فقيهاً عالماً متبحراً في علوم الفقه والدين والادب والشعر والنحو. وكان مثله مثل أي عالم او شاعر، يعتاش من وراء الزراعة والانتاج والزراعي التي لم يكن من دخل للفلاح والانسان العاملي الا عبره. وكان الفلاح يزرع كل ما يحتاجه من قوت يومي ولا يشتري بما يفيض لديه من انتاج سوى الكاز والسكر والرز. أما بقيه احتياجاته فكان ينتجها بنفسه من ارضه وزرعه وضرعه. وكان الانتاج الصيفي من تين وعنب يعتبر الانتاج الرئيسي في حياة الفلاح اضافة الى زراعة شتلة التبغ. فكان يقيم خيمة من القش او القصب من كرمه، يقيم فيها صيفاً يحرس ويراعي انتاجه من تبغ وعنب وتين. وكان خيمة كل مزراع ترفع وتشاد حسب صاحبها، وكل ما كانت كبيرة, ونظيفة ومرتبة كل ما كانت تدل على عزّ وجاه صاحبها.

وكانت خيمة الشيخ محمد بري أكبر هذه الخيم، مغطاة بأغصان الرند (الغوردل) التي كانت تعطي رائحة جميلة تزيد الجلسة الشاعرية جمالاً فوق جمال. وكانت الخيمة من الداخل محاطة بركائز مطلية بالطين الابيض. وكانت تتميز خيمة الشيخ محمد بري عن غيرها من الخيم، ليس لكبر حجمها فقط بل لأنه زرع حولها دوالي العنب, وأسند أغصان هذه الدوالي على أعمدة من خشب وشبكها بعضها الى بعض. وبالنسبة للركائز, كان الشيخ محمد يضع عليها مفارش رقيقة تعرف لدى العامة بالطراريح ويوضع فوق هذه المفارش مساند.

تقع هذه الخيمة في الناحية الشمالية من بلدة تبنين خلف القلعة في موقع مطل على خلة حرجية, اغلب اشجارها من السنديان والملول والبطم.

وصف الشيخ حسين جميل بري إحدى هذه الندوات واللقاءات التي كانت تعقد في الخيمة ومن هم عناصرها واعضاؤها فقال: كنت شاباً يافعاً ومررت بالقرب من خيمة جدي الشيخ محمد, فوجدت ابن عمي الشيخ جعفر احمد بري خارجاً منها وبيده ورقة, فسألته عنها: فقال لي: ان الشيخ محمد نجيب مروة أتى الى الخيمة باكراً قبل الثانية بعد الظهر وأعطاه ورقة كتب فيها هذين البيتين من الشعر:

خليليّ إن الشاي طابت كؤوسه          وفي الحيّ اضحى الأنس عامرا

هلّموا إلينا قد تروا ما يسرّكم            قرى الضيف والشيخ النجيب محاضرا

ولم يرو لنا الشيخ حسين اذا كانت هذان البيتان من نظم جده الشيخ محمد بري او من نظم الشيخ محمد نجيب مروة.

وطلب منه ان يأخذ هذه الورقة ويمر بها على كل من : ملحم أمين رستم وحاكم محكمة تبنين الصلحية القاضي محمد الكنفاني وبيت خليل حراجلي حيث يقطن ابو نواف فائز غندور وهو احد موظفي المحكمة, والى بيت الحاج يوسف عجمي حيث كان يقطن المحامي حسين الدادة، ثم الى بيت عبدالحميد الصباغ (بيت المرحوم حسين حراجلي) حيث كان يقطن كامل الزين (كاتب المحكمة)، ثم الى بيت محمود عجمي حيث كان يقطن المباشر في المحكمة عبدالحسين العبدالله، ثم الى بيت الكاتب محمد جلول. ويروي الشيخ حسين عن لسان الشيخ جعفر، انه اخذ هذه الورقة متذمراً وهو يقول: كأن الشيخ محمد نجيب يريد ان يجمع هيئة المحكمة في خيمة جده وفي هذا الوقت بالذات.

 

رواد الخيمة:

 وكان من رواد هذه الخيمة الادبية، الاستاذ مصطفى محمود فران (مواليد 1914م) وأخوه القاضي علي محمود فران (مواليد 1912م)، وكلاهما شاعران ينظمان الشعر، ولكل منهما ديوانه المخطوط وكذلك حفيدا الشيخ محمد الشاعران الشقيقان الشيخ عبدالله بري (مواليد 1912م) والشيخ ابراهيم بري (مواليد 1913م).

وعرف من روادها ايضاً : رشيد نخلة قائم مقام صور, محمد علي الحوماني، الشيخ علي مهدي شمس الدين، محمد نجيب شمس الدين، محمد نجيب مروة، السيد حسن محمود الامين، اضافة الى شعراء تبنين  من آل بري وفران ومقلد ورستم ودكروب وشعراء بلدة السلطانية الحاج حسين قصفة والحاج ابراهيم قصفة والسيد حسن فخر الدين والسيد حسين فخر الدين، القاضي محمد كنفاني والاستاذ مبدّى الخوري وسرحان سرحان وحسن عواضة وعبدالمطلب مرتضى والسيد كاظم الامين والسيد محمد صفي الدين والاستاذ علي بزي والشيخ علي صالح من بلدة ياطر.

 

وروى الشاعر الاستاذ مصطفى فران إحدى القفشات الادبية التي كانت تتم في هذا الصالون الادبي فقال:

كنا أول عهدنا بالدراسة والتعلق بالشعر والادب، وكانت تشدنا خيمة الشيخ محمد بري وشعراؤها فكنت انا واخي القاضي علي فران والشيخ ابراهيم بري والشيخ عبدالله بري طلاباً نسبق الجميع الى الخيمة, وبينما نحن الاربعة موجودون داخل الخيمة, واذا برجل ذي هيبة ينزل عن فرسه ويربطها ويدخل الخيمة، فيلقي التحية، والتفت الينا وبنبره قوية قال: عرّفوا عن انفسكم. فقال الشيخ عبدالله بري الآية الكريمة: إني عبدالله آتاني الكتاب وجعلني نبياً. أي شبه نفسه بعيسى بن مريم عليه السلام. فهزّ الرجل رأسه، والتفت الى الشيخ ابراهيم وقال له وانت: فأجابه الشيخ ابراهيم: اما انا فإبراهيم الخليل. فقال الرجل طيّب. والتفت الى الاستاذ مصطفى فران وكان اصغرهم، وقال له وانت. فأجابه الاستاذ مصطفى, اما انا فالنبي المصطفى. ثم التفت الرجل الى اخيه الاستاذ علي وقال له وانت. فأجابه الاستاذ علي فران، أما انا فعلي بن أبي طالب. عندها التفت صاحب الفرس إلينا وقال اما انا فربكم الاعلى. وضحك وضحكنا كلنا. ثم عرّفنا عن أنفسنا وعرّف عن نفسه فإذا هو الشيخ نجيب شمس الدين من بلدة مجدل سلم. جاء مبكراً ليجد له متكئاً او فسحة في هذا اللقاء الادبي الشيّق.

 

وقد وصف الشاعر محمد يوسف مقلد (مواليد 1912م) هذه الخيمة ووصف تبنين وصيف تبنين فقال: انها ملهمتي أغلى وأحلى خواطر الصيف في الصبا والكبر.. انها مسقط شعوري ومهبط شعري الاول.. وليلها آه من ليلها! كم له على روحي من أياد غراّء..

وفي وصف لخيمة الشيخ محمد بري يقول :

خيام للحسان الغرّ حولي              تطالع كل ذي وجه وسيم

نفت عني الهموم فلست ادري       خيام التين ام غرف النعيم

سكون الليل للشعراء وحيُّ          تنزل من سماوات النجوم

سلاماً يا ليالي التين إني                 مناي بأن أدوم وان تدومي

 

ويصف كرم الشيخ محمد بري فيقول :

ايا ليل الكروم وما أحيلى         لديك العيش يا ليل الكروم

دجاك يضمنا ولنا حديث          لرقته يطير مع النسيم

 

الصالونات الادبية في تبنين – الدكتور حسن محمد صالح

 

 

 

لماذا هذا الموقع
أي بلدة نريد وأي مغترب
نبذة عن البلدة
القلعة
صفحات من تاريخ جبل عامل
هوية جبل عامل
Map خارطة
شخصيات
الشهداء
الاسرى
مقام صدّيق
ينابيع تبنين
أسماء العائلات
صُوَر Photos
اسماء العقارات في تبنين
التراث الشعبي في تبنين
صلاة الاستسقاء في سهل الخان
مشاركات أبناء البلدة
شتلة التبغ اللقمة المرّة
Learn how to pray
مواقع عاملية
الصفحة الاولى