|
صالون السيد يوسف مصطفى صالح
الادبي
ولد السيد يوسف مصطفى في بيت علم
وأدب ووجاهة ونسب، فوالده السيد
مصطفى عدّه السيد محسن الامين من
وجهاء المنطقة وكذلك ذكره الشيخ
ابراهيم سليمان في كتابه "بلدان
جبل عامل". وكان ديوانه في تبنين
عبارة عن محكمة صلح نهاراً
وصالوناً أدبياً مساءاً. وفكان
غالبية ابناء المنطقة يحتكمون
اليه في قضاياهم وخلافاتهم. وكانت
احكامه سارية على الجميع نقضاً
وابراماً. وكان السيد يوسف قد
ترأس بلدية تبنين لفترة. وكان
يعتاش مثله مثل أي فلاح من الارض
والفلاحة اضافة الى ما يصله من
اولاده في المهجر الامريكي من
أموال.
وكان كريماً كرماً منقطع النظير,
وخاصة ان زوجته كانت من بيت زعامة
وكرم وهي بنت الحاج محمود آغا
فواز. لم يكن السيد يوسف شاعراً
بل كان متذوقاً للشعر ومشجعاً له
وللشعراء، وكان يدير المعارك
الشعرية في منطقة تبنين وقراها.
كان السيد يوسف يعقد صالونه
الادبي عصراً في خيمته التي كان
ينصبها في منشر الدخان في جنينة
آل الحراجلي. ومساءاً في ديوانه
في البيت. وقد وصف الاديب الحاج
محمد عطالله دكروب هذا الصالون
بقوله:
كانت خيمة السيد يوسف صالح هي
بذات شكل خيمة الشيخ محمد بري،
الا انه اضاف امامها فسحة مستديرة
تعرف بالمرح او ما يسمى بالمصطبة
المطلية بالتراب الابيض، واحاط
هذه الفسحة بأغصان اشجار الرند
(الغوردل) وكان يضع عليها الكراسي
بشكل مستدير باستثناء مقعد السيد
يوسف، الذي كان يجلس على وسادة
وأمامه السماور، يعلوه إبريق
الشاي الذي يتصاعد البخار من
جوفه، وبالقرب من الخيمة كان منشر
الدخان (التبغ) وهو مصدر الرزق له
ولمعظم المزارعين في تلك الحقبة
الزمنية قبل وبعد الحرب العالمية
الثانية.
وكان يجتمع في هذا المنشر عصراً
وجهاء البلدة وموظفو المحكمة
الصلحة، هكذا كانت تسمى. واساتذة
المدرسة الرسمية، ورئيس مكتب
البريد، واحياناً بعض وجهاء
وشعراء المنطقة، من عالم دين الى
شاعر ناهض، الى صاحب مشكلة او
قضية، يغتنم وجود حاكم الصلح،
فيتمنى على السيد يوسف حل مشكلته
حبياً عن طريقه دون الوقوف امام
القضاء في المحكمة. وكثيراً ما
كانت تحل هذه المشاكل في هذا
المنشر او هذه الخيمة.
وتدار كؤوس الشاي دون استثناء.
ويتذاكر الجميع، من أديب وشاعر
وسياسي وقاضي في جميع مستجدات
الامور وكان الادب والشعر يطغيان
على الجلسة. كان المجلس ينفضّ عند
آذان المغرب، كانوا يتذاكرون
الاشعار ويقرأ بعضهم من نظمه
والبعض الآخر وخاصة أصحاب الصوت
الشجي يقرأ القصيدة كاملة بصوت
غنائي شجيّ عذب وخاصة المرحوم
الحاج عطالله دكروب. فقد كان أنيس
كل أديب وجليس كل شاعر.
وقال الشاعر محمد يوسف مقلد يصف
سماور السيد يوسف صالح:
بخار من فم القوري
تعالى شممنا منه
رائحة البخور
يدّر الشاي للساقي
طروباً ويعزي الشحّ
للضرع الدرور
له رأس يحر على وطيس
لدن يغلي وأست في السعير
وسجعٌ إذ يعربد او يغني
مقفى مثل تصعيد الزفير
ويتجه نحو السيد يوسف مخاطباً :
زعيم الشاي أصبب لي بكأسي
لنربأ بالزعيم وبالوزير
الم ترني الاحظها بطرف
اذا دارت يدور مع المدير
شربناها على مكث عقيقاً
بفسحة بيدر او قرب بير
لها معنى لها شرفٌ كبيرٌ
وليست مثل ذا عند الغفير
زعيم الشاي هل ألقيت رو
ح الحميّا الرجس بالشرب
الطهور
عليك مع السماور بعض أنسٍ
وباقي الانس من دين الاجير
ووصف محمد مقلد منشر السيد يوسف
الذي كان يعلّق به كبوش الدخان
ويعقد في خيمته الندوات واللقاءات
الادبية والتي كان محمد يوسف
يواظب على حضورها دون انقطاع
فقال:
فاذكر المنشر تكرم خاطري
والذي غطّاه ليلاً وكمر
اذكر المنشر مع سماره
والذي قام عليه وسهر
اذكر المنشر والصيف الذي طمر
المنشر أنساً وغمر
والقناديل حواليه كمن
طاف وبالبيت العتيق اعتمر
المشاكيك مسجاة على ذات
ألواح طوال ودُسر
رواد واركان هذا الصالون الادبي
ابو فؤاد يوسف برهوم الحداد –
الاستاذ سعيد فواز – النائب محمد
علي غطيمي – الشاعر عبدالحسين
عبدالله – الشيخ علي مهدي شمس
الدين – السيد كاظم الامين –
الاستاذ مبدّى الخوري مدير مدرسة
تبنين الرسمية – الشاعر موسى
الزين شرارة – الشاعر الزجلي يوسف
مطر – والشعراء محمد يوسف مقلد
وعلي حسن مقلد ومحمد حسن مقلد –
وشعراء السلطانية الحاج حسين قصفة
وولده علي، وابراهيم قصفة، والسيد
حسن فخر الدين، والسيد حسين فخر
الدين، والسيد يوسف فخر الدين –
الاستاذ علي فران والاستاذ مصطفى
فران والاستاذ حسين الحاج سعيد
فواز (ابو شوقي) وأنيس المجالس
الشاعر محمد نجيب مروة.
وكان من احرص الناس على عدم
التغيب عن سهرة السيد يوسف، ابو
فؤاد (يوسف ابراهيم الحداد)، وكان
ابو فؤاد من اظرف الناس روحاً
واحلاهم لساناً وارقهم حديثاً.
وكان ابو فؤاد مسيحياً مؤمناً،
وكان يبكر الى السهرة قبل الجميع،
وكان اذا حضر يطرق الباب بعصاه ثم
يدخل مصلياً على محمد وآل محمد،
وكان له صدر المجلس "الاسلامي" في
السهرة وغيرها من مجتمعاتنا. فلا
يمكن ان يقبل صاحب البيت اجلاسه
الا الى جانب الافندي (النائب
محمد علي غطيمي). فيجلس واضعاً
طربوشه امامه، ويلتفت الى الجميع:
مسّاكم الله بالخير، صليتم طبعاً
كلكم، غفر الله لنا ولكم!.
وفي شهر رمضان كان ابو فؤاد لا
يفوته دعاء العشاء معنا، فيتابع
الدعاء (دعاء الافتتاح) مع
القاريء حرفاً حرفاً وتراه اول
الواقفين عندما يصل القاريء الى
القول: "اللهم صلّ على ولي امرك
القائم بالحق والعدل المنتظر
الحجة ابن الحسن صلواتك عليهم
اجمعين".
وكنت في صغري اتساءل : من هذا
النصراني الذي يشاركنا كل ليالي
رمضان، ويقوم معنا في مواطن
القيام من الدعاء.. ويصلي على
محمد وآل بيت محمد؟. وكان اهل
البلدة من إسلام ونصارى يقولون
عنه "النصراني المسلم" وكان هو
يمازح السيد يوسف يقوله: "يا
سيد.. انا واياك صحبة في الدنيا،
فعاهدني لاعاهدك على انه اذا كان
يوم القيامة والحق معكم.. تأخذني
معك الى الجنة.. واذا كان الحق
معنا، أخذتك معي.
وقد برز في تلك المجالس ايضاً
الشاعر عبدالله الحسين الخيامي،
شاعر المجالس الظريف.وقد آثر
تبنين على بنت جبيل فيما كان
ينتقل كموظف مع المحكمة المشتركة
بين البلدين حيث قال:
تبنين
يا بلد الامجاد تحرصها
عين الرئيس بأعضاء بمختار
ما ذللت سنة العشرين
عزّتها ولا تمادت عليها يد
غدّار
بنت الجبيل وان كانوا بساحتها
أهلي وصحبي واخواني وسماري
عاماً من العمر فيها رحت
بائعه بيوم تبنين هل في حيكم
شاري
يا قرب الله من تبنين
أويتنا ولا عداك الحيا
يا شهر أيار
المصدر : الصالونات الادبية –
الدكتور
حسن محمد صالح
|