الأخطار الإسرائيلية على المياه اللبنانية

سلماً وحرباً

المحامي نهاد خشمان- باحث قانوني

لم تكن مشكلة المياه يوماً حادثاً جديداً بل هي مشكلة قديمة في حياة الأمم نظراً لأهميتها في الإستقرار الإقتصادي والنمو والتنمية . ومنطقة ما يسمى الهلال الخصيب والتي هي من إسمها يستدل على أنها منطقة تشكل أساساً صالحاً للزراعة والمياه مما جعلها مركزاً نشأت فيه الحضارات وجعلها منطقة لشريط طويل من الصراعات .

إن العوامل المؤثرة على الطبيعة نتيجة إستهلاك المياه العشوائي والذي ينقص يوما بعد يوم من المخزون المائي سوف يدفع الدول إلى تأمين هذه الحاجة الملحة بأي من الوسائل المتاحة ومهما كانت الأثمان .

لذلك فالمياه سوف تشكل مفردة الصراع الأساسية في المنطقة في المستقبل القريب .

فمنذ النكبة في عام 1948 وما سبقها من أحداث ومنذ قرار تقسيم فلسطين والخطر الصهيوني قائم يخف حينا ويشتد أحياناً ليطال المنطقة العربية بأسرها وهذا الخطر يتخذ أبعاداً وأشكالاً متعددة فمرة بالحروب والإحتلال وأخرى بالتهويل تحت عناوين الحقوق التاريخية بأرض الميعاد والحقوق الطبيعية بالأمن والسلام ، وكل ذلك غطاء للأطماع الإسرائيلية بالهيمنة على المنطقة واستغلال ونهب خيراتها.

إلا أن أهمها هي الأطماع الإسرائيلية في لبنان سواء في أرضه دينياً وتاريخياً واستراتيجيا واقتصادياً أم في مياهه ، والأخطر بينها هي المطامع المائية. وسوف نبحث الأخطار والمطامع الصهيونية بالمياه اللبنانية حرباً وسلماً في فصول أربعة :

 

الفصل الأول : المطامع المائية تاريخياً .

الفصل الثاني : المطامع المائية عسكرياً .

الفصل الثالث : المطامع المائية قانونياً  .

الفصل الرابع : الأخطار سياسياً .

  

ألفصل الأول

المطامع المائية تاريخياً

لم يكن المشروع الصهيوني في قيام الوطن القومي لليهود في فلسطين وجوارها غافلاً عن اعتبار أن أفضل الحدود هو الذي يؤمن العوامل الإستراتيجية والإقتصادية والتاريخية كما لم يكن متخلفاً عن إدراك الحاجات المائية للدولة المنشودة ، وذلك منذ الخطوات الأولى في طريق وانشاء هذا الكيان . ولو راجعنا هذا المسارالتاريخي لوجدنا المذكرات الصهيونية المتتالية والمتعددة تتناول هذا الموضوع منذ نهاية الحرب العالمية الأولى ففي المذكرة الصهيونية سنة 1919  بشأن المياه اللبنانية الكثير من الإشارات والمقترحات للتسلط والهيمنة على هذه المياه :

    " ان جبل الشيخ ( حرمون) هو أبو المياه الحقيقي لفلسطين ، ولا يمكن فصله عنها دون توجيه ضربة قاصمة الى جذور حياته الإقتصادية بالذات . وجبل الشيخ لا يحتاج فقط إلى إعادة تحريج وتشجير ، بل وأيضاً إلى أعمال أخرى كي يصبح مؤهلاً ليكون خزان مياه للبلاد . لذلك يجب أن يخضع كلياً لسيطرة أولئك الذين تحدوهم الرغبة الشديدة ويملكون القدرة الكافية لاستغلال إمكاناته حتى أقصى الحدود . كما يجب التوصل إلى اتفاق دولي تحمى بموجبه حقوق المياه للشعب القاطن جنوبي نهر الليطاني ( اليهود ) حماية تامة . إذ أن منابع المياه هذه ، فيما لو حظيت بالعناية اللازمة ، تستطيع أن تخدم تنمية لبنان مثلما تخدم تنمية فلسطين ( إسرائيل ) (1) .

      وهذه المطامع لم تكن تخفيها الصهيونية ، خاصة المقترحات والدراسات والمشاريع التي قامت به الحركة الصهيونية بالطرق العلنية ، فالوكالة اليهودية استقدمت في عام 1938 الخبير الأميركي لاودرميلك الى فلسطين لدراسة أوضاعها المائية، فقام بالمهمة ونشرت توصياته في كتاب " فلسطين ارض الميعاد" سنة 1944 وموجزها تحويل مياه نهر الأردن العلوي في حوضه الطبيعي الى المنطقة الساحلية في فلسطين ، ونقله الى منطقة النقب بالأستيلاء على مياه نهر الحاصباني وبانياس والليطاني ، بالإضافة الى نهر الدان الذي ينبع من فلسطين .

    وتتوالى المشاريع الصهيونية بشأن المياه اللينانية والمخططات لنقل مياه الليطاني فقد وضعت خطة أولى عام 1943 ثم تلتها أخرى عام 1948 . وفي اجتماعات التوفيق الدولية عام 1949 أثار مندوبو اسرائيل مسألة الليطاني مما جعل اللجنة توصي باستثمار سبعة أثمان مياه الليطاني في اسرائيل ، فحرام أن  تذهب مياه الليطاني هدراً في البحر المتوسط وتلك حجة اسرائيل  .

 

(1) كما وردت في اسعد رزوق _ ­­اسرائيل الكبرى : دراسة في الفكر التوسعي الصهيوني ، (بيروت منظمة التحرير الفلسطينية- مركز الأبحاث ، 1968 ) ص 403 .

 

   وفي مشروع كوتون سنة 1954 وهو المشروع الذي وضعته اسرائيل رداً على مشروع جنستون  الذي يتعلق باستثمار مياه نهر الأردن وروافده بين الدول العربية واسرائيل (1) ادخلت اسرائيل  في هذا المشروع ما أسمته بفائض الليطاني ، كما انه تحدد لاسرائيل بموجبه 1290مليون متر مكعب من المياه ، مقابل 7, 450 مليون متر مكعب فقط للبنان والواقع أنه فيما لو طبق مشروع كوتون لكانت إستفادة لبنان لن تزيد على 301 مليون متر مكعب لأن التقديرات الحقيقية لليطاني كانت أقل من حسابات كوتون (2) .

   وقد شكل مشروع الليطاني في لبنان رداً عملياً على أن مياه هذا النهر يمكن استثمارها كلها في لبنان ودون أن تذهب هدراً إلى البحر بحسب ما يدعونه .على أن يستكمل هذا المشروع لأهميته ألإستراتيجية والأمنية.

   وأنك لا تجد مسؤلاً اسرائيلياً لم يبدي أسفه الشديد لضياع المياه اللبنانية من أيديهم وذلك عبر تصريحات عديدة كان من أبرزها ما قاله موشي شاريت أحد الرؤساء الأوائل للحكومة الإسرائيلية ، بأن عدم تضمين مياه الليطاني في مشاريع اسرائيل "خطيئة أساسية" ارتكبتها دولة اسرائيل ، وما قاله لفي أشكول بأن اسرائيل قسمت ثلاث مرات وكانت المرة الأولى عندما وضع نهرا الحاصباني وبانياس خارجها (3) .

    ومن سياق هذه التصريحات يتبين أن الصهيونية كان باستطاعتها أن تحصل على ما تشاء في هذا الكون دون مراعاة مصالح الدول الكبرى ولا الدول المعنية، ومن هنا تخطىء أي عبارة " خطيئه أساسية " إلا أن الواقع على غير ذلك إذ أن الحركة الصهيونية سعت بكل جهدها للحصول على جنوبي لبنان أرضاً ومياه منذ انتهاء الحرب العالمية الأولى لولا التعنت والإصرار الفرنسي على مصالحه أيضاً الذي منعها من تحقيق هذا الهدف وجعلها تفشل في تحقيق ما تتمناه وان نجحت جزئيا،ً ولو كان بنظر اليهود أن الفشل الجزئي يعبر عنه بالخطيئة الأساسية .     

   والجدير ذكره أن الأمر لم ينته عند هذا الفشل الجزئي ولم يغلق باب الحديث عن الطموحات الإسرائيلية في المياه اللبنانية إذ أنّ شيمون بيريز في كتابه "الشرق الاوسط الجديد "  أشار في الفصل التاسع من الكتاب إلى المياه الجارية وعدد أربع أسباب للنقص في المياه ، وهي الظواهر الطبيعية ، وزيادة عدد السكان واستغلال الطبيعة ، والسياسات الخاطئة ، واعتبر أن الحل هو باقامة نظام اقليمي لإدارة مشاريع تطوير المياه ولتوزيعها على قاعدة اقتصادية بطريقة شريفة وعادلة .

(1)                 راجع بشأنه :

Edward  Rizik , The River Jordan , New York , Arab Information Center, 1964, pp: 16-21 .        

(2)                 القضية الفلسطينية والخطر الصهيوني ( بيروت : وزارة الدفاع الوطني- الجيش اللبناني ومؤسسة الدراسات الفلسطينية، 1973) ص: 526 .

(3)     د. بيان نويهض (تطور النظام الدستوري والسياسي اللبناني1920-1995 ) بيروت 1996 ، ص: 478 .

 

 وهذا يعني أن على من يملك المياه أن يتشارك مع الآخرين وبالتالي فإن على لبنان أن يقدم جزءاً من مياهه لصالح اسرائيل إذ أن التوزيع العادل يفرض اقتسام الشيء بحسب الحاجة وليس المناصفة البسيطة ، كما التوزيع على قاعدة اقتصادية تعني أيضاً الكلفة لنقل هذه المياه وبالتالي فإن لبنان مياهه هي الأقرب لفلسطين والأقل كلفة .

 

الفصل الثاني

المطامع المائية عسكرياً

      لقد شنت إسرائيل الحروب على الدول العربية في حروب متعددة وكانت تلك الحروب محاولة دائمة إلى فرض وجودها وكيانها في هذه المنطقة . وتتميز عملياتها باتجاه لبنان ليس باعتبار لبنان قوة عسكرية تشكل خطراً على الوجود الإسرائيلي وإن كان المعلن على لسان اسرائيل عناوين مختلفة تتعلق بحماية الجليل وأمن المنطقة الشمالية بل لأهداف تتعدى ذلك .

    سنة 1978 كان الإجتياح الإسرائيلي الشهير ب "عملية الليطاني " والذي لم يثبت في المناطق التي قام باجتياحها بل انحسر سريعاً وليس بسبب الرغبة الإسرائيلية بل بسبب مباحثات السلام المصرية الإسرائيلية والتي دفعت باميركا الى اعطاء الأهمية لهذه المباحثات بدل الإهتمام بالنزق الإسرائيلي المعتاد . وكان من آئار هذا الإجتياح نشأة الدفرسوار اللبناني وما يعرف بالشريط الحدودي وإنشاء دويلة "سعد حداد"  وبذلك سيطرت اسرائيل على جزء من الإرض اللبنانية وعلى ما يقارب الثلاثين كيلومتراً من مجرى نهر الليطاني . وقد جاء الإجتياح الكبير سنة 1982 وكانت من الأهداف الإستراتيجية غير المعلنة لهذا الإجتياح المياه اللبنانية وقد استمر هذا الإحتلال جاثماً على لبنان حتى اندحاره على يد المقاومة الإسلامية بتاريخ 24 أيار 2000 وهذه مدة كافية وسبباً كافياً لكي يقوم المحتل في سلب خيرات الشريط الحدودي ونقل المياه من الليطاني بحافلات للنقل والإستفادة الكاملة من نهري الوزاني والحاصباني وحرمان القرى المحتلة التي على الضفاف من  الإستفادة من النهرين سواء للري أم للشرب .

وقد قامت اسرائيل في عام 1986 بتسييج عدة هكتارات من الأراضي اللبنانية الواقعة شمال المطلة قرب نبع الوزاني ، وقامت بطرد المزارعين اللبنانيين وشق الطرق والقنوات وتركيب المضخات لسحب المياه وجرها في قنوات سابقاً كانت تحت شعارات ري منطقة العرقوب وهو بالحقيقة جر المياه الى الأراضي المحتلةفي فلسطين ، والذي كشفه تلفزيون المقاومة. وفي عام 1989 قامت اسرائيل بمد أنابيب مياه "نبع العين " المتفرع من أحد روافد نهر الحاصباني وباتت تستغل مياه الوزاني والحاصباني  بشكل تام .

   وقد صرح البروفسور والخبير بشؤون المياه في الشرق الأوسط توماس ناف في حزيران 1990 أثناء مؤتمر علمي في واشنطن بأن الإسرائيلين لن يتخلوا بسهولة عن المناطق التي أحتلوها من دون الحصول على ضمانات تؤمن لهم الحصول على المياه من موارد أخرى مشابهة في المنطقة ، وعلى الأغلب من نهر الليطاني . ويبدو أن المقصود بالمناطق التي احتلوها  إشارة الى مرتفعات الجولان السوري المحتل وضفاف بحيرة طبريا . كما أنه قد توقع أن المياه في النهاية سوف تقرر مستقبل الأراضي المحتلة ، أي هي التي تقرر مسألة الحرب أو السلم.

    ولا يخفى أن عمليات السرقة الإسرائيلية للمياه واضحة فمنذ 1983 وتقوم اسرائيل بسرقة مياه مصلحة جبل عامل " والتعديات على المياه كانت واضحة أثناء الإحتلال ومستمرة بعده في أماكن أخرى . وان لم يتوفر معرفة دقيقة بالأرقام للكمية التي يتم سرقتها برغم ما أثير من ضجة حول ما يجري في مؤتمرات عدة كالمؤتمر الذي نظمه مركز الدراسات اللبنانية في أكسفورد سنة1991 ، بقيت الأرقام معلقة أو مدفونة مع رأس النعامة في الرمال مع استمرار عشرات الأبار ألإرتوازية الإسرائيلية على طرف الحدود القيام بضخ مياه البحيرة الجوفية التي تعوم عليها منطقة مرجعيون وسهل الخيام ، تلك الآبار التي لا يقدر عددها ولا كمية ما تضخه من مياه مما قد يؤدي إلى انخفاضات أرضية في المناطق التي فوق البحيرة الجوفية!؟

 

الفصل الثالث

المطامع المائية قانونيا

   لقد أبرزت المذكرة الصهيونية إلى مؤتمر الصلح في باريس (1919) المطامع الإسرائيلية وللمرة الأولى " حدود الدولة اليهودية " وتمنت على الفرقاء المتعاقدين أن يعترفوا بالحق التاريخي للشعب اليهودي في فلسطين وهي زمنياً المحطة الأولى ، والتي تلازمت وتزامنت معها ولم تنفصل عنها مرحلة المفاوضات لرسم الحدود بين الإنتدابين البريطاني والفرنسي وقد انتهت هذه المفاوضات باتفاقية سميت "اتفاقية الحدود " وقد وقعت في نهاية 1920 .وإن من يبحث في المراسلات والمباحثات الرسمية التي جرت بين 1918 و1920 يكتشف بان - في ما نشر أو لم ينشر بعد - هناك موضوع له أولوية هو موضوع المياه .وما كان الصهاينة وحدهم الداعين الى السيطرة على مياه الليطاني أو الأردن اذ أن كبار الساسة الإنكليز يسبقونهم في المباراة نتيجة لما جاء به وعد بلفور لفلسطين والجوار .

   إن الأطماع الإسرائيلية قد تلجمها القوانين الدولية أحياناً ومواقف القوة لدى لبنان والمقاومة أحياناً أخرى ولم يكن الحديث محاولة لإثبات هذه الأطماع فهو ليس موضع شك أو نقاش ولكن لا بد من الإشارة إلى ما بقي عالقاً من مطامع في نصوص إتفاقية الحدود ، وهذه الإتفاقية لازالت سارية المفعول بين لبنان وإسرائيل وبالتالي ما زالت اتفاقية يمكن لإسرائيل أن تطالب بحقوقها فيها لو أرادت . وإن لم يشر أحد من العرب أو الإسرائيلين أو اللبنانيين على الصعيد الرسمي المعلن الى هذه الإتفاقية من بعيد أو قريب .

  فقبل التوقيع على اتفاقية الحدود كان الصهاينة يصرون على جنوب لبنان مع فلسطين وذلك كله لإجل الليطاني ، ومن رسالة كتبها الصهيوني وايزمان إلى وزير الخارجية البريطاني كيرزون في 30/10/1920 .أي قبل توقيع اتفاقية الحدود بنحو شهرين :

 

      " اعتقدت من رسالة سيادتك ، على كل حال ، انني ربما لم أكن قد أوضحت بشكل كاف استحالة حماية حقوقنا بالإنتفاع من مياه الأردن الأعلى واليرموك من خلال أي تدبير مسبق لا ياخذ بعين الإعتبار تضمين هذه المياه داخل الحدود الإقليمية لفلسطين . ولا يشمل هذا الإنتفاع اعمالاً هندسية شاملة ، بل ايضاً عملية تشجير على نطاق واسع . ولإنه لمن المستحيل أن تحظى أية خطى للتنمية بالأمن الطبيعي ، أو أن تكون عملية من الناحية الإقتصادية، ان لم تكن المناطق حيث تجري الأعمال واقعة تحت السلطة القائمة في فلسطين.. انا واثق من أن سيادتكم تدركون الأهمية القصوى لليطاني بالنسبة الى فلسطين . فحتى لو اعتبر نهر الأردن كله واليرموك ضمن فلسطين ، فالمياه في كلا النهرين لاتكفي حاجاتها ؛ إن الصيف في فلسطين جاف جداً ، والتبخر سريع وكثيف . ان ري الجليل الأعلى والطاقة المطلوبة حتى لحياة اقتصادية محدودة ، يجب أن يتوافر من الليطاني . الخبراء متفقون على أن الليطاني له فائدة قليلة للبنان الذي يملك وفرة من المياه

واما اذا فصلت فلسطين عن الليطاني والأردن الأعلى واليرموك ، وهذا اذا لم نقل شيئاً عن الشاطىء الشرقي للجليل فليس بامكانها أن تكون مستقلة اقتصادياً " (1) .

 

      لم يكن بامكان بريطانيا التجاوب مع المطلب الإسرائيلي خاصة أن فرنسا كان لها موقفها ، فإنها لم تتنازل عن الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو الا بعد مفاوضات طويلة جرى على أثرها تعديل بالتنازل عن شمال فلسطين ( صفد وبحيرة الحولة..) ، ولكنها رفضت عملية استغلال المياه بالشكل الذي تقدمت به المشاريع الصهيونية . وبناء على المصالح المتبادلة بين بريطانيا وفرنسا فقد رسمت الحدود بين الإنتدابين في الإتفاقية الشهيرة ب "اتفاقية الحدود " وهي ما يعرف رسمياً بالإتفاقية الفرنسية - البريطانية 1920 بشأن نقاط محددة تتعلق بالإنتدابات على سوريا ولبنان، وفلسطين والعراق " وقد جاء في المادة الثامنة من الإتفاقية بشأن المياه والتي يفترض بنا إيرادها والكلام ( للد. بيان نويهض) لخطورتها والتي ترجمت عن النص الإنكليزي كما وردت  ضمن الإتفاقية كاملة  في المجموعة الوثائقية بعنوان " حدود فلسطين " Palestine Bounndaries " الصادرة سنة 1989 عن الأرشيف البريطاني ، الجزء الثالث ، ص 230-232 :

      " تقوم الإدارات في كل من سوريا وفلسطين خلال ستة أشهر بعد توقيع هذه الإتفاقية

(1)British Documents on foreign Affairs, Part II, Series B-Vo1. 2 ( University  Publications of America) , P: 33 .           

 

بتعيين خبراء للعمل معاً على دراسة استغلال مياه الأردن الأعلى واليرموك وروافدهما لأغراض الري وتوليد الطاقة الكهربائية ، وذلك بعد سد حاجات المناطق الواقعة تحت الإنتداب الفرنسي . "

 " وفيما يتعلق بهذه الدراسة ، فسوف تعطي الحكومة الفرنسية لممثليها أكثر التعليمات حرية ، من أجل استخدام فائض هذه المياه لمصلحة فلسطين .

     " وفي حالة عدم التوصل الى اتفاق ما بناء على هذه الدراسة ، فسوف تحال هذه المسائل الى الحكومتين الفرنسية والبريطانية لإتخاذ القرار .

     "ووفقاً للأبعاد التي تخدم فيها الأعمال المتوقعة مصلحة فلسطين ، فإن الإدارة في فلسطين سوف تتحمل نفقات إنشاء الأقنية ، والسدود والخزانات والأنفاق وخطوط الأنابيب والصهاريج ، أو أي أعمال أخرى مشابهة ، أو تدابير تتخذ من أجل تشجير الغابات والإشراف عليها ".

     ويثبت لنا من النص أعلاه والكلام ( د. بيان نويهض )  بالمقارنة مع المطالب الويزمانية ، أنّ الحركة الصهيونية قد نالت ما كانت تتمناه باستثناء نهر الليطاني ، وأما مسائل استغلال المياه والغابات والخبراء فكلها قد اتفق عليها ولكن مع تعديل بسيط ، إذ لم يذكر هوية الخبراء بذكر كلمة " الخبراء الصهاينة " أو " المشاريع الهندسية الصهيونية " إلا أن واقع وطبيعة الإنتداب البريطاني وتبنيه لمشروع الدولة اليهودية فإنه سوف يعين لجنة الخبراء من أعضاء يهود صهاين