|
سوق الجمـعـة
عرفت منطقة جبل
عامل بعد الحرب العالمية الأولى
حركة أسواق تجارية شعبية بكل معنى
الكلمة.
ولهذه الأسواق تاريخ حافل
بالحكايات والروايات تتناقلها
الألسن من جيل إلى جيل.
نشأت الأسواق
قديماً على مبدأ _ المقايضة_
مبادلة سلعة مقابل سلعة تعادل
ثمنها أو ما شابه، يومها كان
الناس يشكون ندرة الأموال
النقدية. والمقايضة أو عملية
التبادل بالغِلال كانت وسيلة
المزارع لاقتناء مونته وحاجياته.
ولـهذا فالسمات
والمقاصد والأهداف تـتشابه في كل
الأسواق.
المعلوم أن للسوق
الكبير حلاوته الخاصة المتمثلة في
تنوع معروضاته وهو بالتالي يوفر
فرصة أمام المواطنين للحصول على
تنوع أكبر بأسعار أقل نتيجة العرض
الكثيف.
وفي منطقتنا
جبل عامل فان الأسواق فيها لها
طابعها وشكلها وبساطتها وحتى
قوانينها الخاصة، وحتى أن تسميتها
أصبحت هي الغالبة على أماكنها. إذ
يكفي أن تذكر سوق أحد الأيام حتى
تلتفت تلقائياً إلى مكان انعقاده،
فالأسواق العاملية بمعظمها موزعة
على مدار أيام الأسبوع، مثلاً على
الشكل التالي :
يوم الاثنين
: هو يوم سوق في مدينة النبطية،
يطلق عليه سوق النبطية أو سوق
الاثنين وهو
أكبر أسواق جبل عامل.
-
أيضاً هو يوم سوق في بلدة
السلطانية جارة بلدتنا تبـنيـن،
يعقد
فيها السوق
مباشرة بعد صلاة الظهر.
-
كذلك هو يوم سوق في بلدة شقراء.
يوم الثلاثاء
:
يعقد سوق الخان في منطقة حاصبيا.
-
سوق بلدة حاريص المجاورة لبلدتنا
تبـنيـن .
-
سوق في بلدة دير انطار، بعد
الظهر.
يوم الأربعاء
: سوق في بلدة عديسة في منطقة
مرجعيون .
-
سوق العباسية في قضاء صور.
يوم الخميس :
سوق القضاء في مدينة بنت جبيل وهو
نظير لسوق النبطية خاصة
بعد عودة الروح إليه بعد الانتصار
والـتحرير الزاهي في 25 أيار
2000
.
يوم الجمعة :
سوق في بلدتنا تبـنيـن (موضوع
البحث).
يوم السبت :
سوق في بلدة جويـا.
-
سوق في مرجعيون .
-
سوق في خربة سلم .
يوم الأحد :
سوق في بلدة قانا قضاء صور .
-
سوق برج الملوك في قضاء مرجعيون .
-
سوق في مجدل سلم.
-
سوق في بلدة برعشيت.
سوق الجمعة في بلدة تبـنيـن.
سوق بلدتنا
تبـنيـن أو سوق يوم الجمعة
وهي الـتسمية الأصح لهذا السوق،
عرفته البلدة منذ العام
1892 ميلادية،
بعد أن طرأ عليه تغيير في الزمان
والمكان ، إذ أن السوق كان يُعقد
في كل يوم ثلاثاء من كل أسبوع في
مكان يُعرف حتى الآن باسم الساحة
القديـمة الواقعة خلف المسجد
ومدرسة عزّة بـري أي في وسط
القرية القديمة.
حالياً تقع
منطقة السوق _ سوق يوم الجمعة_ في
وسط البلدة ويمتد من أطراف الحارة
الفوقا نزولاً حتى محيط المدرسة
الرسمية ومسجد البلدة والسراي
الحكومي(1) حتى أطراف منطقة
الحسينية الكبيرة_ أول حارة آل
بري.
ارتبط اسم سوق يوم
الجمعة حصرياً باسم بلدتنا
تبـنيـن منذ زمن بعيد ، وبالتالي
أصبح هذا اليوم شاهداً على مراحل
كبيرة من تاريخ البلدة.
سوق يوم الجمعة هو
تجمع بشري كبير بامتياز، هو سوق
اجتماع، هو سوق أخذ وعطاء ومقايضة
وأيضاً له كل وراء بضاعة حكاية.
يجمع يوم السوق
مئات الأشخاص طواعية في مكان واحد
وفي يوم واحد طوال ساعات عدة،
فتوقيته دقيق يبدأ من الصباح
الباكر وحتى ما بعد صلاة الظهر
بقليل.
نادراً ما يتعطل
السوق أو يتوقف إلا في الحالات
القسرية الطارئة كهطول المطر
الشديد في اليوم العاصف.
يبدأ يوم السوق
باكراً ، فالتجار والباعة
يتوافدون إليه من بلدات وقرى
مجاورة، كونهم
-
باعة جوّالون
-
ويبدأ كل واحد منهم بعرض بضاعته
وترتيبها كل حسب طريقته،
فالسيارات والفانات هي عبارة عن
مخازن نقّالة ومستلزمات العرض من
بسط وشوادر ومواسير علاّقات
وطاولات تصلح جميعها لعرض افضل
البضائع. وهكذا تتوزع البسطات على
الجانبين بانتظار حركة البيع.
في الماضي كان
التجار يعرضون بضاعتهم بشكل
عشوائي على امتداد مساحة السوق
حيث كانت تختلط الخضار والفاكهة
مع الثياب والأحذية والألعاب
والهدايا مع الحبوب والأواني
المنـزلية….
أخذت رئاسة
البلدية دورها الفعّال ، فقامت
مشكورة بتنظيم وضع السوق قدر
الإمكان
حيث أقفلت مداخل السوق ومنعت مرور
السيارات وأبقت ذلك للمشاة فقط
وقسّمت مساحة السوق إلى تفرعات
عديدة فنظمت أماكن البسطات
وأصنافها، بحيث أصبحت تراعي شروط
النظافة والسلامة العامة، وحصّلت
الجباية ونشرت شرطة البلدية وهكذا
فإنـها عزّزت النظام وسهّلت حاجات
المواطنين _ والجباية من الباعة
هي شبه رمزية إذ يستوفي الجابي
مبلغ ( ألف ليرة ) عن كل بسطة_.
والسوق يقسم إلى
قسمين، ثابت ومتحرك، فملحمة حسن
هزيمة وحسين دخل لله وفرن حسين
وزني ثابتة في القسم العلوي من
السوق وتعاونية الزهراء وفرن علي
المعاز ومحل سمانة وخضار محمد
شقير ثابتين في القسم السفلي.
أما المتحرك فهو
عبارة عن مخازن فانات وسيارات
تنتشر على امتداد السوق من الطرف
العلوي حيث تُعرض الثياب والأحذية
والمستلزمات،
وفي الوسط _ نزلة السوق _ تُعرض
الثياب والأقمشة والألعاب
والهدايا والأدوات الـمنـزلية وفي
الطرف الغربي الخضار والفواكه
وشتول زراعية وحبوب على أنواعها
حمص فول عدس.. ومنتوجات زراعية.
أما الطرف الشمالي
فانه يحتوي على عطورات وأشرطة
كاسيت وهدايا وطيور... مع زاوية
لإسكافي مودرن مع عدته المطوّرة
داخل فَـانه، منها (مكنة الزند).
والسوق عادةً يكثر
رواده من داخل البلدة وخارجها
ولذا فهو يُعد مورداً هاماً
للتجار والمزارعين وحتى لعامة
الناس الذين ينتظرونه بشوق كبير،
فهو فرصة جيدة للمستهلكين الذين
يشترون حاجياتهم بأسعار مخفضة
نسبياً يصعب الحصول عليها في
الأيام الأخرى كما انهم يجدون
سلعاً ومنتوجات لا تعرض إلا في
يوم سوق الجمعة، وهناك مثل شعبي
يقول : فاتك السوق تـمرمَـغ
بترابـه.
تتعالى أصوات
الباعة وهم ينادون على بضاعتهم
وإسهابهم بالشرح عن جودتها
وتنوعها وكفالتها فالسوق يُعتبر
سوق المشوار الصغير والمشوار
المستعجل، فالحابل يختلط بالنابل،
ولا بد من فكرة تثمر ربحاً والسوق
تدور فيه كل الأحكام والقوانين
الشعبية السريعة وعقود البيع لها
صولتها ومفرداتها / بعت إشتريت /
صلّينا عالنبي / مبروك /
حمّل
/ صحتين / الله يبارك / تهانينا
معليش / ... وعند البعض السعر
ثابت والكلمة موقف والله بيبعث
الأرزاق والدين ممنوع والعتب
مرفوع.
ويوم السوق يسارع
إليه الناس من مختلف الأعمار
والأجناس والغاية ليست تجارية فقط
بل أيضاً السوق ملتقى الأهل
والأحبة والمعارف يسألون عن
أحوالهم وعن كل جديد في حياتهم،
يتبادلون الأخبار التي تعني
الجميع، تـتحابب فيه القلوب
وتـتسارع فيه النظرات المتبادلة
على استحياء فيوم السوق فرصة لجذب
أنظار الشبيبة الذين يتهامسون
بألفاظ شتى محبـبة ، يلتقون
وكلهم اشتياق ولهذا فما من سوق
إلا وبعده حكاية ورواية وأحياناً
كثيرة نظرة فابتسامة فموعد ولقاء
فخطبة وزواج.
وللسوق مواسمه
وأفضله فصل الصيف حيث يكون عامراً
نظراً لكثافة الوجود (فالبيارته)
في الميدان والمغتربون العائدون
لقضاء الصيفية يشدهم الحنين إلى
السوق و أيامه.
والملاحظة الهامة
في سوق تبـنيـن انه ورغم الأحداث
الأمنية السابقة التي مرت فيها
البلاد، لم تسجل فيه أية مخالفة
أمنية أو جنائية، فالسرقات
والمشاكل والمشاكسات معدومة.
البعض يردها إلى وعي الناس والبعض
يرد هذه الرهبة والاستقامة لكون
مخفر الدرك قريباً في السراي
الحكومي والسجن فيه يتسع لأكثر من
ماية سجين. إلا أن الجانب الأهم
هو الوعي والـتقيد بالدين.
مع اقتراب
ظهيرة اليوم يبدأ سوق الجمعة
بالانحلال تدريجياً وتبدأ عودة
الرواد والمشترين إلى منازلهم.
فالسوق إلى نـهايته وأعصاب الباعة
أكثر انقباضاً لأن كثرة العرض لا
تؤشر إلى كثرة الطلب والربح
والخسارة لهم عنوان.
ساعة الرحيل دنت
وغِلة السوق يجب أن تكون ذات قيمة
أو اقله على قدر التعب...
دقائق ويبدأ مكبر
المسجد القريب يُسمع تلاوة بعض من
سور القرآن الكريم معلناً الكلمة
الفصل في نهاية السوق وموعد فريضة
الظهر.
فالصلاة في المسجد
حتماً هي صلاة جماعة واحترام
وأداء الفرائض واجب شرعي ولا بد
من المشاركة تنفيذاً للآية
الكريمة بسم الله الرحمن الرحيم (
يا أيها الذين أمنوا إذا نودي
للصلاة من يوم الجمعة فاسعوا إلى
ذكر الله وذروا البيع ذلكم خير
لكم إن كنتم تعلمون).
انتهت ساعات يوم
السوق.
بعد ذلك يقوم
عمال النظافة في البلدية بتنظيف
السوق من بقايا الخضار والفاكهة
والصناديق الفارغة، ليعاود دولاب
الحياة برمته الكاملة بانتظار يوم
سوق الجمعة في الأسبوع القادم.
-
والله الموفق
-
-
شاهد صور سوق الجمعة
(1)مكان السراي حلّ مكان بركة
الضيعة قديماً والتي كانت تستعمل
لتجميع مياه الأمطار
وكانت تلبي حاجات الفلاحين
الزراعية...
|