اللقمة المرّة ورحلـتها الطويلة

 

بسم الله الرحمن الرحيم

     (يا أيها الإنسان إنك كادحُ إلى ربك كدحاً فملاقيه)

إن أدق كلمة تصف معاناة الفلاح المزارع مع شتلة التبغ هي الكدح

 

وطني لبنان بلد المياه، أنعم بها الخالق علينا ولكن...السياسة لها وظائفها.

في الماضي كنا نسمع عن المياه نقصدها لنراها، نـتغنى بها، نوعد بها، فلا يصـيبـنا منها إلا قطرات.

لو كنا أخذنا حقنا لتغيّر نمط حياتنا وبالتالي بدّلنا هذه اللقمة المرّة بالخضرة والثمرة الحلوة والأشجار الباسقة ولكن

تعودناها وورثناها أباً عن جد وأصبحت جزءاً من حياتنا وتراثنا وتاريخنا ولقمة عيشنا _ هي شتلة التبغ _.

كانت عصب الحياة الأساسي في منطقة جبل عامل وضمناً بلدتنا تبـنين حيث كانت الرائدة في زراعة وتصنيع هذه الشتلة المنـتصبة القامة إن من حيث كمية زراعتها أو من حيث التـفنن في توضيـبها لولاها لما تعلم المتعلمون ولما شبع الجائعون ولما تزوج العزاب والمحبون وحتى لما اقـتنى الفلاح المؤونة وتملّك وماشى العصر تطوراً.      

شتلة التبغ بدأت زراعتها في جبل عامل منذ عشرات السنين أي منذ الاحتلال الفرنسي للبنان تعتمد على زنود الأطفال والصغار أكثر منها على الكبار. انـها صنعة لكامل العائلة بامتياز. انـها عمل تطلب صبراً وجهداً وأنات تبدأ من (المشتل) وتنتهي بـ(الطرد) فالخـيـبة

يُزرع المشتل عادة في شهر كانون الثاني من كل عام. يُغطى المشتل بعد زراعته بقش (البلان) خوفاً وحفاظاً من المطر والصقيع _ حالياً أصبح يُغطى بـ(النايلون) بعد غرز عددٍ من القضبان الحديدية الرفيعة في الأرض ليصبح على شكل خيمة صغيرة مستطيلة وهذا النمط المستحدث أعطى زراعة المشتل نـمواً أسرع.

وبعد عناء طويل من المراقبة المنتظمة من تغطية وكشف النايلون حسب موجة المطر وإزالة العشب (تعشيب) باليد والسقاية بالرشاشة اليدوية حين الحاجة تُنقل هذه الشتول في مطلع شهر نيسان من المشتل مباشرة إلى الأرض بعد أن تكون قد سُمدّت وحرثِت ثلاث مرات وعلى فترات متفاوتة.

العائلة بأجمعها صغيرها وكبيرها تنقسم إلى فئات كل بحسب مقدرته الجسدية فهذا (العوتلجي) أي الذي يغرز التراب بالعاتول(1) ليأتي بعده دور (الغلالة) أي الذي يزرع شتلة التبغ في الحفرة الصغيرة التي أحدثها العوتلجي ثم يأتي دور (الطمام) وهو الذي يغطي زند الشتلة بكمية من التراب مع قليل من الماء بواسطة إبريق من التـنك وأما اليوم فأصبح النبريش هو الوسيلة الفضلى لهذه الغاية خاصة إن علمنا أن الدونم الواحد ومساحته ألف متر مربع يحتاج إلى (15) ألف شتلة _ لاحظ _!!! فكيف إن كان هناك أكثر من عدة دونمات (وهي العادة) للشتالة أي (15) ألف مرة يغرز العوتلجي بالعاتول وهكذا الغلاّل والطمّام في كل دونم وأما في موسم الشتالة وهي التسمية المفضلة لطلاب المدارس تبقى هذه المدارس خالية بمعظم صفوفها من الطلاب والسبب أن الطلاب انتقلوا إلى درس عملي تطبيقي في الحقول لمساعدة أهاليهم _ فالعطلة قسرية ومسموح بـها بحسب الظروف الراهنة للوضع المعيشي لكل مزارع.

وبعد رعابة المزارع للشتلة طوال شهرين متتابعين من تعشيب ونكش ورش أسمدة كيماوية يأتي شهر حزيران لتبدأ معاناة جديدة ألا وهو قطف المحصول الزراعي المنتظر وهو ما يسمى بلغة الفلاحين (القطيفة) وللقطيفة ذكريات أكثر مرارة إذ يتساوى فيها الليل بالنهار.

فبعد منتصف الليل بساعة أو أكثر بقليل تبدأ رحلة القطيفة وعلى ضوء ما يُعرف بـ(لوكس)2 الكاز الذي يقف منتصباً على عامود رفيع خاص به وسط الأرض المنوي قطيفتها لينير على أصحابه ضوءاً يسمح لهم بقطف أوراق الدخان وتعبئتها في (صحاري) أي صناديق خشبية خاصة لهذه الغاية_ ويمر الوقت بطيئاً إلى ما بعد شروق الشمس بساعتين أو أكثر لتبدأ رحلة العودة إلى المنزل والمحصول محمول على ظهر الحمار الصابر أيضاً على هذه المرارة.

ولقطيفة الدخان تسميات مختلفة خاصة بكل نوع فمثلاً قطاف (التكعيبة) وأول (تنوة) وثاني تنوة فـ(الصليـبي)و(الرفبة)فـ(الطربونة) ولكل صنف من هؤلاء أوانه الخاص وعلته الخاصة وتبعاً لنمو الشتلة.

يصل المحصول اليومي المقطوف كل يوم حوالي الثامنة صباحاً إلى دار المنزل فتأخذ العائلة استراحة المحارب فترة قصيرة وهي خاصة للفطور ثم يعلن الاستنفار مجدداً وتُطلق الصياح لتجتمع العائلة بأكملها وجلوساً على الأرض لتبدأ معاناة أُخرى تُسمى (الشكاكة) أي شك أوراق الدخان بواسطة (مـيـبـر)3 خاص لهذه الغاية ليُفرغ لاحقاً داخل الخيط الخاص لهذه الغاية وطوله حولي المتر ونصف المتر. وفي الشكاكة ليس هناك استثناء للأطفال فهم خيرة العمال ولشك ورق الدخان في الميـبر طُرقاً خاصة يتفنن الفلاحون بها كسرعة الشك وتفريغه في الخيط ولهذا كانت تحصل بعض الرهانات لكسب الوقت ولكسر رتابة العمل.

بعد ساعات من الشك يأتي دور (المنشر) لتُعلّق عليه خيطان الدخان تحت أشعة الشمس الحارقة والغاية هي لتجفيف ورق الدخان وتيـبيسه.

وهنا يأتي دور (الكبش) وهو مجموع لعشرة خيطان من الدخان. تعلّق الكبوش زائرةً متدليةً مزينة أسقف المنزل الداخلي من غرف نوم وصالون.. حتى نهاية (التصفيط) أي لأكثر من شهرين أو حتى يأتي الفرج الموعود وتأتي شركة الدخان (الريجي) لتشتري الدخان.

ومع موسم التصفيط_ ترتيب وتعريب أوراق الدخان_ تنـزّل الكبوش من الأعالي لتُفرط خيطانه وأوراقه ورقة ورقة بعد أن تكون يبست تماماً لتبدأ مرحلة جديدة وهي الفرز والحشي والكبس داخل (الطرد) المصنوع من الخشب وهو قالب له عرض وطول ووزن محدد لا يتجاوز ال 25كلغ

وهكذا بعد انتهاء التصفيط في الطرد يأتي دور (التدنيك) _الكبس_ فيُلف الدخان بـ(الفلة) وهي عبارة عن قطعة من الخيش قريبة من القماش.

هنا تجهز الدنوك (الفلات) ويدخل المزارع المغلوب على أمره فيما يُعرف بالوقت الضائع وهو وقت يكون غالباً مميتاً وخاسراً فالمرحلة الآن مرحلة صبر (صبرك يا أيوب)!. الشركة شركة الدخان أو الريجي قادمة ولكن متى؟؟؟. إنها المرحلة الأصعب في تاريخ المزارع فالانتظار مرير والوعود والتطمينات والتخمينات وحتى الإشاعات تأخذ مجراها داخل كل قرية ومحلة.

   حمداً لله توافق المسؤولون ‍‍!!! وتنفس مزارع الدخان الصعداء فهذا (الخبـير) الذي يثمن مستوى جودة كيلو الدخان قد وصل مع زمرته إلى السوق. يتراكض المزارعون لأخذ رضاه ولدعوته إلى غذاء أو عشاء أو ما شابه فالخبير هو الحكم وله كلمة الفصل في أرزاق الفلاحين وأتعابـهم هو القاضي في المهمات الصعبة وأحياناً القاضي على مستقبل هذا الفلاح أو ذاك. ولهذا لا بد من واسطة تنفع علّ تحسن الحال وترفع سعر الكيلو الواحد من الدخان إلى مستوى الجيد _ إنه جنى العمر_

يفتح المستودع (مستودع شراء الدخان) تُرسل الطلبات تُقسّم الأدوار يقف المسكين (بائع الدخان) على باب السلطان بانتظار رضاه وتنتظر كامل العائلة هذه النتيجة فلربـما قد تكون أفلحت هذا العام عن غيره.

يصل دور المزارع تُعرض بضاعته (فلات الدخان) تتشخص الأنظار تنحبس الأنفاس تُقرأ التعاويذ فالخبير مشغول بما بين يديه من رزق يلمس يتحسس يفلش يشم أوراق الدخان يرمق صاحب الشكارة!

 يعض شفتيه يتمتم يزفر زفرات الموت ويصدر حكمه.

يا للهول لم تأتي البركة على يديه كاملة هناك غش في الشكارة ولا يد من كم كيلو (عدم) في الفلة الواحدة وهذه هي الطريقة المثلى للضغط على المزارع لإرهاقه أكثر.تتسارع الآهات والزفرات وتتصبب الوجوه عرقاً وتعباً ويُضرب الكف بكف‍‍! السعر متدنـي السعر حرام لا يناسب تعب العيال دخلك يا خبير ارحم ارأف زِين وقِيس وشوف حالنا وعيالنا  ولو!. ولكن كلمة الخبير هي كلمة القاضي لا ترد.

هكذا يباع المحصول ولكن الأسف الأكبر هو عدم بيع المحصول بكامله فهناك ثغرة في القانون دائماً تأتي وتركب الضعيف الفقير المسكين المغلوب على أمره (فالرخصة) رخصة الدخان محدودة ولا يمكن التساهل  بالوزن الزائد وبالتالي فهو غير معترف فيه عند الاستاذ الخبير أو من الممكن جداً أن الواسطة لم تكن على مستوى آمال المزارع.

وتكون النتيجة الخيبة ويعود الفلاح أدراجه إلى مواقعه الثابتة إلى بيته وعياله يشكو همه يلعن حظه المتعثر راضٍ بعيشته فهذا ما قسمه له ربه.

تعب العائلة بأكملها طوال أشهر السنة وقف هنا, كم من المال حصّلنا

فعلينا تسديد كامل الدين المتوجب من فلاحة الأراضي وضمانها وثمن الشتول وزراعتها والأسمدة الكيماوبة  ولا ننسى أيضاً دكاكين الضيعة فلها حقوق مادية هي ثمن حاجيات المنزل من مأكل وملبس...

فالمتعارف عليه في القرى التي تكثر فيها زراعة الدخان أن الدين يكون على مر السنة وهي عادة يقال لها، دين الدكان من بيع الدخان إلى بيع الدخان، وهكذا بالكاد تسدد كامل المصاريف، ليعود الفلاح للاستدانة من جديد على حساب الموسم القادم. والفالح الفالح من يدخل بيته حاملاً بعض الحلوى لأولاده أو حتى قطعة ثياب تكون عربون شكر ووفاء لهذا الطفل على عمله المضني طوال هذا العام.

ولهذا كان الأطفال يتمنون هطول المطر باستمرار لأن المبيت داخل البيت أو الذهاب إلى المدرسة بعيداً عن زراعة محصول الدخان المر يكون أكثر ارتياحاً _ غير مكترثين بصيفية الضيعة وعطلتها لأنها لا تعنيهم.

فالمزارع المغلوب على أمره يعيش كفاف يومه هذا إن لم يكن عاجزاً عن تسديد كامل دينه مما يضطره إلى بيع قطعة أرض أو أي شيء كان قد امتلكه أو ورثه.

وهكذا يعود المزارع ويأمل خيراً بالموسم القادم لأن البديل الآخر ليس موجوداً لأنه لو تُرك له المجال ليزرع ما يريد من مساحات لكان وضعه أفضل ولكن حتى في لقمته المرة يظل مُقيّضاً برخصته الزراعية والتي لا تأتي إلا بـ(مصمصة مناخير) زعماء الاقطاع القابعين على رقاب العباد.

وفي نهاية المطاف ما يتمناه المزارع هو رفع الحرمان عنه وتأمين كامل متطلباته والتي هي ملكه كمزارع فالأرض له والهمة له والعائلة له وأيضاً الهم له وحده والسياسة هي السياسة وهي فن الكذب والأفضل قد يأتي يوماً وإن طال الزمن.

فزراعة التبغ وإن حصلت على بعض من حقوقها الآن، تبقى ناقصة بانتظار كامل الحقوق التي هي من حق المواطن علّ المعاناة تمضي ويمضي الفلاح في أرضه متبختراً رافعاً رأسه ولكن مـتـى؟؟.

يقول المثل القروي: (عـشـنـا و شـفـنـا)

ولكن نحن نقول: (عـشـنـا و يـا لـيـت مـا شـفـنـا).

 

 

هوامش:

العاتول : قضيب من الحديد طوله 60سنتمتر معكوف له طرف مسنن يُضرب في الأرض فيغرز مقدار 10سنتمتر._ في الماضي كان مصنوعاً من الخشب _ .

لوكس : فانوس ، قنديل كبير على الكاز ينير مساحة غرفتين.

مـيـبـر : قضيب حديد أو نحاس رفيع طوله اقل من 30سنتمتر.

 

 

 

 

 

لماذا هذا الموقع
أي بلدة نريد وأي مغترب
نبذة عن البلدة
القلعة
هوية جبل عامل
صفحات من تاريخ جبل عامل
Map خارطة
شخصيات
الشهداء
الاسرى
مقام صدّيق
ينابيع تبنين
أسماء العائلات
اسماء العقارات في تبنين
صُوَر Photos
التراث الشعبي في تبنين
صلاة الاستسقاء في سهل الخان
مشاركات أبناء البلدة
تعرّف على الاسلام
شتلة التبغ اللقمة المرّة
Learn how to pray
مواقع عاملية
إتصل بنا
الصفحة الاولى