تقاليد الأعراس

ذاكرة الماضي من أجل المستقبل

      

بسم الله الرحمن الرحيم< ومن آياته أن خلق لكم من أنفسكم أزواجاَ لتسكنوا اليها وجعل بينكم مودة ورحمة ان في ذلك لايات لقوم يتفكرون >.

الزواج سنةُ من سنن الله الحكيمة في هذا الكون المتقن والمنظم حيث تكون غاية هذه السنًة في الاستقرار ونشوء الأجيال والتآلف والتراحم، لذلك وجدنا مصداقاَ لهذه السنًة في كافة المجتمعات البشرية ومنذ نعومة أظفارها وفي مطلق الفترات التاريخية...

ولا شك ان لهذه السنًة (الزواج) أعراف وتقاليد وعادات تختلف من مجتمع لآخر تغذيها القيم والمعايير والأديان...

وها نحن الآن أمام نموذج من نماذج هذه السنًة الالهية لنرى كيف كانت وكيف غدت حالياَ.

فالمقارنة ممتعة ومحفزة من أجل الأفضل دائماَ وطبعاَ إذا تم ذلك ضمن الأطر الشرعية التي سنًها الشرع الحكيم.                                                                 ( إدارة الموقع )

 

لكي لا يضيع التراث

للكاتب الحاج محمد عطالله دكروب

      معلوم انه يتم الإتفاق مسبقاَ بين أهل العريسين على المهر وتاريخ عقد القران الذي ما يكون غالباَ بعد ظهر يوم الخميس من الأسبوع، وفي مساء الأربعاء تدعو العروس رفيقاتها للسهرة، أما سبب عقد القران ليلة الجمعة فهي بالإعتقاد بأنها ليلة فضيلة تجمع ولا تفرِق سيما وان إسمها الجمعة. كما أسلفت تدعو العروس رفيقاتها ليلة الخميس للحناء وتكون قد استحضرت قصعة كبيرة من الفخار مملوئة بالحناء فيتحنين، وفي تلك الأثناء تبدأ حادية بالحداء كما يحلو لها تتلاعب بالكلمات والألفاظ كما تشاء تذكِر المؤنث وتؤنِث المذكر وتستبدل إسم الأب بإسم الأم وتبتدع كلمات ما أنزل الله بها من سلطان ولا زلت أحفظ منذ أكثر من ستين سنة هذا الحداء الغريب الذي يعلق في ذهن الطفل كالنقش في الحجر، والأن أورده للذكرى فقط وهذا الحداء موجه لخال العروس وهو :          

     حـيـم بالـبـركة الـبـركة             يـا خـالي

     هـاك حـواجـب تـحـكي              يـا خـالي

     حـسـن بـد يـعـة                     يـا خـالي

(هنا حذف اسم الأب وأستبدل باسم الأم لئلا يختل الوزن)

      بــنـت اخـتـو السـمـرا            يـا خـالي  (أي العروس) 

     حـــنــت أ يـد يـهـا              يـا خـالي

     وصابـيـع  اجـريـها                  يـا خـالي  ( أيضاَ أصابع الرجلين )

وعلى هذا فقس ما سواها، أما إذا شئت أن تعرف معنى هذا الحداء فهو :

حيم بالبركة البركة - فمعناه أن العروس استحمت في بركة البركة.

أما هاك حواجب تحكي فمعناه أن الحواجب وتخطيطها كأنها حروف تنطق بالجمال.

أما حسن بديعة فهو خال العروس وللضرورة حذف اسم الأب وأستبدل بأسم الأم.

أما بنت اختو السمرا فهي العروس - وكل ذلك تكريماَ للخال-  وأحياناَ تقول بنت اختو الشقرا أو البيضا حسب ما يكون لون بشرة العروس.

نبش التراث

  فصول العرس التي كانت سائدة في الربع الأخير من الثلاثينات أي عندما أصبحت أعي الأحداث وترتسم في ذهني.

           المكان :  بـلـدة تـبـنـيـن في جنوب لبنان

           الزمان :  أواخر الثلاينات من القرن العشرين.

قرأت ورفاقي ونحن في كُتًاب الشيخ سورة الجمعة من القرآن الكريم وذلك بعد ظهر يوم الخميس بناءاَ لطلب الشيخ، الشيخ يقرأ ونحن نردد جماعياَ ما يقرأ آية آية، والحضور يملأ الصدور باعتبار  أن نهار غد الجمعة (عطلة) وما أن انتهينا وأذن الشيخ بالإنصراف حتى سمعنا قرع الطبل فاتجهنا بأجمعنا إلى مصدر الصوت وقد ازددنا سروراَ. وقفنا إزاء الجوقة، البيرق منصوب، وضارب الطبل يحمل بيديه مضربين يقرع بهما الطبل. شابان يافعان يعلق كل منهما في رقبته طبلة يقرعانها كل بمضربين دقيقين، حاملا صنوج يضربان بهما كل بكلتا يديه، لاعبا سيف وترس مستعدان للنزال.  كل ذلك قرب منزل تزكمك منه رائحة الطيب والبخور من بعد عشرات الأمتار، تتصاعد من داخل المنزل أصوات النسوة بالزغاريد والحداء. اتجهت ورفاقي الى مصدر صوت النساء حاولنا الدخول أُنتهرنا وطُردنا ونحن أطفال لا نعي شيئاَ، استفسرت ممن هو أكبر مني سناَ فقال:

(عما يبرزوا العروس) ما يسمونه اليوم مكياج . فأدركت أن التجمع يعود لعرس ولكني لم أعِ معنى البرزة ولم تكن تعني لي شيئاَ. وقفت ورفاقي قرب المنزل، الحداء والزغاريد تتعالى، قرع الطبل   والصنوج والحداء بدأ في الخارج، وتنازل اللاعبان في السيف والترس.

راقت لي فصول العرس وبصورة خاصة ما شاهدته من لاعبي السيف والترس وما أظهراه من المهارة ودأبت على حضور احتفالات الأعراس منذ ذلك الحين.

والآن أورد تفاصيل هذه التقاليد كما كانت تجري مبتدأ َبما كنت أسمعه من حداء إلى زغاريد من الغرفة التي كانت مخصصة للعروس ومزينتها ورفيقاتها وسأسردها بتراتبية.

أول ما تحديه الحادية :

        يــا مـمـشـطـة  مـشـطـيـهـا      وي شـو يـة لا تـو جـعيـها

        وبي مـاء الزهر عـطريهـا                 وبالحنان والرفق جد لـيها

        و يـا مـزيـني زيـنيـهـا                والحـواجـب لا تقـرابـيها

       و العـيـون السـود كـحـليـها             وبـي مـيـل الألماز ذنبـيها (الألماس)

وتبني على هذا المنوال ما يروق لها حتى تهيىء ضرباَ من الحداء وأذكر انني كنت أحفظ الكثير من هذه الأراجيز وسأورد مقطعا آخر وهو :

 يـا شعر العروس يـا نصب ويا قصب         يـا خيمة السلطان لا من نصب

رحنا على أسطنبول تـا نجيب الزهاب           ونـمشط الحلوين بمشط الذهب

( الذهاب : أمتعة العروس بما فيها الفراش واللحاف و المخدة وغيرها)

وتنسج الحادية على هذا المنوال ما طاب لها ورفيقات العروس يرددن قولها ويصفقن ابتهاجاَ ثم تنتقل الى مقطع مميز وكأنه لفت نظر الى العريس وأهله والحضور فتقول:

      يـا بـو خـد  يد أحمر وطمرو حنا           زوج الضراير ما يفوت الجنة

يعني يا عريس إياك أن تتزوج عليها وتجلب لها ضرة وهي بكر وليس مطلقة ولا أرملة يُعرف ذلك من المقطعين اللذين يلين الضرب الزجلي فتقول :

      عُمرك مـا تاخذ أرملة نواحة             كل الأرامل دبوهم بالساحة

     خذلك بـو نـيا تـشابـه التفاحة          بـتقـضي عمرك يـأعزب متهانا

                                      ايـضـاَ

    عمرك ما تاخذ أرملة مهجورة            كل ألارامل دبوهم بالجورة

    خذلك بونيا تشابه البلورة                 ما بتشوف الضيم ولا تتعنى

وفجأة ينقطع الحداء ويصعد صوت إحداهن بالزغردة فتقول :

    إويها وطولك طول الحور             وإويها ورب السما إلك ناطور

    إويها إجت مريم بنت عمران          وإويها تتزعقلك البخور

فيعلم من في الخارج ان دور البرزة قد انتهى وجاء دور إلباس العروس ثوب العرس الحريري أبيض اللون الطويل المتدلي الأطراف ويتبادر إلى الأذهان ان العروس قد وقفت، ثم يأتي بعد ذلك ارجوزة التعويذة من العين سيما وأن الأرجوزة السابقة أن مريم العذراء عليها السلام جاءت وزعقت البخور لطرد الأرواح الشريرة وفقأ عيون الحاسدات. فترتجز تعويذة وأغلب ظني أنها من صنع المشعوذين لأن ألفاظها ما كانوا يحسبونه من لغة الجان. وذلك بعد إشعال البخور لتصل الرائحة الى خارج القاعة والأرجوزة هي (زغرودة) :

         إويـها وشنبق بنبق                  وإويـها يخرس الجان ولا ينطق

        إويـها وعين المصلت عليكِ          وإويـها وتطـق وبـتـنـبـوق

(شنبق وبنبق يحسبونها لغة الجان من صنع المشعوذين)

وتتبعها بالثانية فتقول :

        إويـها البتبغضك الله يقصف عمرها        وإويـها ويغيضها ويزيد في قهرها

        وإويها ويدب كيدها في نحرها               وإويها والقرابينا في ظهرها

(القرابينا هي آلة  تشبه المسدس تحشى من فوهتها بالبارود والرصاص والخردق)

       وإويـها وإسم الله عليكِ                 وإويـها وعينو بتحميكِ

      وإويـها وعين الحاسدة تعمى             وإويـها اللي ما صلًت عليكِ

وفجأة يُعلمون الحادية بقدوم أهل العريس، والحادية غالباَ ما تكون من الأقوياء ويطلب اليها أن تبيض الوجه فتزغرد مرحبة بالقادمين فتقول :

إويـها أهلاَ وسهلاَ وطلوا ضيوفنا طلوا            وإويـها أهلاَ وسهلاَ باللي شرفوا وهللوأ

وإويـها أهلاَ وسهلاَ بوسط ديارهم حلـوا          وإويـها والدار صارت لهم بوسطها يظلوا

وإويـها أهلاَ وسهلاَ باللي شرفوا على الدار        وإويـهـا وشـعـت مـنـهـم الأنوار

وإويـهـا وصـارت دارنــا إلـهـم           وإويها ونحنا عـندهــم زوار

وبعدئذ يحضر الشيخ الذي يجري عقد القران وهو رجل الدين من البلدة أو من الجوار وترتفع الأصوات بالتهليل والتكبير والصلاة على النبي وآله، وبعد استراحة قليلة يدخل الشيخ الى حيث

توجد العروس وتوكله كي يجري عقد قرانها على العريس ويسمع موافقتها بحضور الشهود كي لا يكون هناك اكراه لها من قبل أهلها وهذا أمر شرعي. ثم يعود إلى حيث يجلس الرجال ويفرغ

الوكالة للعريس. وعندما توكل العروس الشيخ كي يزوجها من العريس وتلفظ  كلمة أنت وكيلي تصرخ الحادية المزغردة موجهة كلامها لأهل العريس فتقول:

               وإويـهـا بدور السما تـجـلـلـوا

               وإويـها ولصدورنا بلطفهم بللوا

               وإويـها وصارت بـنـتـنـا الـهـم

               وإويـها وتــم الفــرح كللــوا               (أحياناَ يطلق الرصاص)

بعدها تقرع الضاربة على الدربكة وتنشد الحادية ما يتناسب للعرس وتفيض قريحتها بالكثير الكثير وبعد تفريغ الوكالة للعريس من قبل رجل الدين يجول العريس على الرفاق بعد شكر الشيخ أو تقبيل يده ويقبل يد والده ويقبله والده وتفرق الحلوى وأغلبها من المعمول أيضاَ يفرق الشراب من القدور على الجميع ثم يطاف بأواني الشراب في أحياء البلدة ويسقى كل من صادف مروره. وأحياناَ يكون العريس مستطيعاَ فتوزع الشوكولا والكراميل والملبس في صينية على الأطفال بالمناولة إلا ان الأطفال لا يمهلون الموزع فيلتقطون الصينية الأمر الذي يضطره الى ذري ما فيها مما يذكرك بنثر الحب الى الدجاج والسعيد السعيد من تنتفخ جيبته من هذه الخيرات.

    وبعد تفريق الحلوى يُقرع الطبل ويستعد الموكب للمسير يخرج ذهاب العروس ويوضع قرب الجمل المناخ قرب المنزل ويوضع صندوق شامي ملون أو صندوق شامي مصدًف إزاء الجمل فيه أمتعة العروس وأغراضها أيضاَ رزمة كبيرة الحجم فيها فراش ولحاف وبسط مع بعض البقج (صرة من الثياب) وتحمل علىالجمل ومن ثم تخرج العروس مغطاة الوجه بملائة تزهو بثوب العرس الذي تطأ أذياله الأرض تحيط بها الرفيقات وبعضهن يرفعن أذيال الثوب والحداء ( ودق الدربكة) وضرب الكف والزغاريد، بعدها بثوان يأتي خيال على فرس مسرحة العرف المعروف لدى الخيالة بالمعرفية عليها بردعة (العدة) مزينة بخرج له شراريب مختلفة الألوان زاهية فاقعة من صنع الشام يوقف الخيال الفرس في مدخل الدار يترجل ويسير موكب العروس لتصل الى الفرس تلتفت مودعة ثم يصعدونها الى ظهر الفرس، وهنا تحدي الحادية بلسان أهل العريس فتقول:

             يخلف عليكم كثـًر الله خيـركم             انتـوا الآوادم ما أوادم غيركم

            كرمتم علـينـا والحمايم طيركم             تبقـوا لنا والرب يرعـى سيركـم

في المقابل يتحرك موكب الرجال ويتقدم موكب العروس يُرفع البرق يُقرع الطبل تُضرب الصنوج ويدق المزوج (أو مجوز وهو آلة موسيقية من القصب يُنفخ فيها فتحدث صوتاَ موسيقياَ) ويسير الموكب يتقدمه الحادي يحدي للعريس، أمامه لاعبا السيف والترس يتجاولا في مسيرهما الى ان يصلا الى فسحة فيشير احدهما الى الحادي ان يتوقف فيتوقف ويصرخ صحايف ويتطلع الى منافسه فيجيب منافسه قائلاَ صحايف العريس - يحيا العريس - يتجاولا أيضاَ ويعاد القول صحايف يجيب المنازل - صحايف العروس تحيا العروس - ويعاد القول صحايف يجيب ايضاَ صحايف الإمام عـلـي (ع) باعتبار أن سيف الامام علي أول سيف في الاسلام تتعالى الأصوات ثم يعاد الكلام صحايف فيجيب المنافس (كل من سحب سيفه وضرب) وهذه العبارة هي إعلان المبارزة.

فيتجاولا ثم يقف كل قبالة صاحبه كالأسد ولا تسمع إلا قرع السيف على الترس والأبصار شاخصة ولا ينتصر أحدهما على الآخر وهذا بالعرف يسمى ( مطايبة) ويكرر هذا المشهد مرة أو مرتين أو ثلاثة قبل أن يصل الحفل إلى منزل العريس الذي يعود قبل الجميع لإستقبال العروس الى منزله أو منزل أهله وبعد كل فصل تعود الجوقة الى السير والحداء واليكم ما حفظته ولا يزال عالقاَ في ذاكرتي من هذا الحداء:

                طيـر البطـيـر منذبـحـوا          من فـوق راسك يـا عريس

               طيـر البـطـيـر منذبــحوا          قـلـب العــدو مـنـجـرحـوا

               بـنشـيل بــدر السـمــا          وبنحط (اسم العريس) مطرحوا

أيضاَ :       عريسنا زيـن الشـبــــاب         زيــن الشبـــاب عريسنـــا

              مــن طلتــوا والبدر غاب          ونورو حبك فــوق روســنا

كذلك إذا كان في الموكب أحد الوجهاء راعي شاربين فيجعل له الحادي نصيباَ من الحداء خاصة إذا مر الموكب إزاء منزل فيه من ربات الخدور اللواتي لا يذهبن لحضور حفل الزفاف وتطل من على الشرفة وعلى وجهها النقاب ( قناع تغطي به المراة وجهها وأحياناَ تنظر به من عين واحدة) وتطل لترى الموكب وتشاهد ما يجري وهنا نرى الحادي يرتجل حداءاَ لا زلت أذكره فيقول مشيراَ الى الوجه راعي الشاربين:

         عــكــف الشوارب هـلـلـت           يـا حـلـوي طـلـي وزلـغـطـي

         عـيـن الـحسود تـبـلى بالعمى           وبـذكــر الله حــوطـــــــي

         يـا بنـيا يـلي بالـقـصـور             طـللي و شوفي فـعـالـنـا

         انت غـواك شـعـرك                      نـــحــن  غـوانـا رجـالـنـا

ايضاَ يتبع ويخصص الحداء للاعبي السيف والترس ويشبههما بالعسكر فيقول:

يـا بـني يـللـي بـا لخـبـا                 طـللـي وشـوفي اسودنـا

انـت غـواك شـمـبـرك                    ونـحـن غـوانـا جـنـودنـا

      (الشمبر يعني لدى العامة النقاب التي تستر به المرأة وجهها)

وبعد ذلك يوجه الحداء للعروس عندما يقترب الموكب من منزل العريس فيقول :

   يـا شـمـس يـللـي بـالسـمـا          أنـوارك بـتـحي النـفـوس

   لا تـشرقـي فـوق الـحــي              بـالأرض في عـنا عـروس

ويستمر الموكب على هذه الصورة الى أن يصل الى منزل العريس ويصبح الحداء للرجال والنساء واحداَ: