|
التكميلية الرسمية المختلطة *
بعد انتهاء الحرب
العالمية الاولى عام 1918 وفي ظل
عهد الانتداب الفرنسي على لبنان
ومن جراء دخول ووصول بعثات
تبشيرية أجنبية أمكننا القول أن
بلدة تبـنيـن عرفت لوناً أو
عنصراً جديداً في حياتها
اليومية!.
وهذا العنصر
الجديد هو محاولة لإدخال المعرفة
الثقافية عن طريق نشر التعليم
والتربية حتى وإن كان فـي حدها
الأدنـى في ذلك الوقت.
فـفتحت مدرسة
الأسقفية,
أو بما كان يُعرَف بـمدرسة الخوري,
أبوابـها وهي عبارة عن غرفة بادئ
الأمر يديرها معلم واحد هو الباش
شماس ثم تلاه المعلم جاد الحمصي
من بلدة قانا قضاء صور.
وكان للاحتلال
الفرنسي ووجوده دوره البارز في
نشر التعليم في هكذا مجتمع خاصة
حيث كان يوجد طائفة مسيحية والتي
كانت تبـنيـن تتمتع بوجود هذه
الطائفة من أهلها.
وبعدها بسنتين أي
في مطلع العام 1920 عرفت تبـنيـن
نوعاً آخر فـي التدريس هو نمط
الكتاتيب أو مدرسة الشيخ وكان أول
الكتّاب الشيخ أحمد حسن بري من
بلدة تبـنيـن.
وبـهذا التنوع صحّ
القول أن بلدة تبـنيـن عرفت
التعليم الأهلي (المسيحي/
الإسلامي) باكراَ. والـهدف
المشترك هو نفسه تعليم الأولاد من
سن الخامسة وما فوق مبادئ القراءة
ة والكتابة / إملاء و قواعد /صرف
ونحو /
…
مع اهتمام مدرسة الأسقفية باللغة
الفرنسية التي كان يفتقدها
الكتّاب والذين عوضوا عنها بتدريس
الدين الإسلامي (القرآن) في
كتاتيبهم .
وفي العام
1923/1924 حصل تطور نوعي مهم على
صعيد التعليم تمثّل بوصول المدرسة
الرسمية إلى تبـنيـن التي افتتحت
أبوابـها في غرفـتين تابعتين
للمسجد(1)
ومستأجرتين من قبل
الأهالي. وكان أساتذتها اثنان هما
الشيخ أحمد بري من تبـنيـن وكان
مختصاً بتعليم اللغة العربية
قراءة وكتابة / إملاء وقواعد /
صرف ونحو إضافة إلى مادة الدين.
والمعلم الثاني مـبدى الخوري من
بلدة دردغيا قضاء صور وكان مختصاً
بتعليم اللغة الفرنسية قراءة
وكتابة/ تاريخ وجغرافيا / حساب/.
وكان من طلاب هذا
العام الدراسي عدد لا بأس به ممن
وصل إلى مراتب عليا في الدولة
نذكر منهم : النائب السابق سعيد
فواز/ الشاعر والأديب إبراهيم
بري/
القاضي علي فران /
الأديب المغترب عبدالله محمد بري/
الشاعر المهجري يوسف محمد حسين
بري / حسين أحمد حـمود/ الشاعر
المهجري محمد يوسف مقلد/ الأستاذ
مصطفى محمود فران...وكان دوام هذه
المدرسة الابتدائية الرسمبة
نصفياً أي أن فـئة من التلاميذ
تأتي قبل الظهر وفـئة أُخرى تأتي
بعد الظهر.
ويعكس تفسير هذين
الدوامـين قبل وبعد الظهر أولاً
: لزيادة عدد التلامذة وضيق مساحة
غرف التدريس ولقلة الأساتذة.
ثانياً: أن هذا الدوام يخدم
المجتمع الزراعي القروي السائد
آنذاك. تجدر الإشارة أن مدرسة
تبـنيـن الرسمية ومنذ ذلك التاريخ
لم تكن مقتصرة على طلاب بلدة
تبـنيـن فقط بل أيضاً على طلاب من
القرى المجاورة التي كانت تفتقر
إلى نعمة المدارس الرسمية.
وطوال السنين
اللاحقة كانت هذه المدرسة تسير
وتتقدم ببطء حيث كان يمارس
التعليم فيها معلم واحد يساعده
بما كان يُعرف بالوكيل.
وعلى خطٍ مواز كان
الكتّاب مستمرون في مهماتهم
التعليمية داخل غرفهم. وكانت
تجهيزات هذه الكتاتيب بسيطة
للغاية وهي عبارة عن غرفة داخل
منزل الشيخ في أرضيتها حصيرة من
القش يجلس عليها الأولاد وفي
وسطها طراحة ومسند للشيخ وبقربه
عددٌ من قضبان الرمان يطال بـهم
من يشاء من الأولاد بضربة حين
تدعو الحاجة إضافة إلى لوح من
التنك ومحبرة من التراب. وكان
المنهاج واضحاً وهو تعليم مبادئ
القراءة والكتابة وعلوم الحساب
الأساسية.
أما الحضور
والغياب فكان موسمياً حسب المواسم
من (شتالة / وزراعة وري)
وأما شنطة الطالب
فإنها كانت مصنوعة من القماش
وكانت تستعمل لحفظ طعام التلميذ
(الزوادة) أما الكتب فهي كانت
نادرة أو إنها كانت للميسورين
فقط.
وفي فصل الشتاء
كان الشيخ يطلب من كل ولد أن يحضر
معه بعض الحطب اليابس للتدفئة في
كتّابه...
وقد برز من
الكتّاب في تبـنيـن عدد لا بأس به
منهم : الشيخ محمود دكروب ثم
الشيخ محمود دكروب الحفيد فالشيخ
جميل بري فكريمـته عزّة جميل بري
التي ورثت مهنة التعليم عن أبيها
الشيخ إضافة إلى مدرسته (كتّابه)
وهي كانت إمراة مُقعدَة تتحرك على
كرسي ذو عجلات واستمرت في عملها
حتى العام 1975من القرن الماضي.
ومما يلفت النظر
في تلك الحقبة انه حتى بعض
الفتيات كنّ يشركن في الدروس، فلم
يكن التعليم مقتصراً على الذكور
وإن كانت نسبتهم هي الغالبة.
وبالعودة إلى
المدرسة الرسمية الابتدائية فلقد
حَظيت بنقلة نوعية في العام 1938
عندما تم استحداث الصف الخامس
الابتدائي (السرتفيكا) وكان مدير
المدرسة آنذاك المعلم عـز الدين
كلـش من مدينة صيدا يساعده وكيله
المدرس كاظم الأمين من بلدة شقراء
المجاورة.
واستمرت المدرسة
تسير بخطى ثابتة حتى مطلع العام
1944 حينما تزودت بدم جديد إثر
حركة التشكيلات بين أفراد الهيئة
التعليمية وبالتالي زاد عدد
المعلمين فأصبح ثلاثة. أما في
العام 1945 فانه شهد أيضاً تطوراً
هو الآخر تمثّل بزيادة عدد الطلاب
الذي وصل عددهم إلى ما يقرب من
مائة تلميذ وبقي عدد المعلمين
ثلاثاً. وكان الصف الخامس
(السرتفيكا) في ذلك العام يضم
عدداً من التلامذة الذين اصبح لهم
شأن كبير في الشؤون السياسية
والاجتماعية منهم: النائب السابق
حميد دكروب / القاضي محمد العبد
دكروب / النقيب باقر بري /
المغترب علي الملا / رئيس مكتب
بريد تبـنيـن محمد عطالله دكروب /
المغترب علي قدوح / حسين سعيد
فواز…
في مطلع العام
1946 ظهر تطور جديدٌ على صعيد
المدرسة الرسمية تمثّل بعودة
الأستاذ سعيد فواز ابن تبـنيـن من
مهمة رسمية (وظيفية) من الولايات
المتحدة الأمريكية وبجـعبته مبلغ
من المال يوازي عشرة ألاف ليرة
لبنانية استحصل عليه من أبناء
الجالية المغتربين وهي أموال
تبرعات,
وقدمه لوزارة التربية الوطنية
وسعى مع أهل بلدته لتقديم قطعة
أرض في وسط البلدة قرب المسجد
والتي تُعرف باسم (المنشية) وهكذا
بوشر في بناء مدرسة نموذجية
ابتدائية رسمية للبنين والبنات
وسط البلدة حيث ملتقى الجميع.
في العام 1947
استلم المعلم الكبير ذو الشأن
والفضل العظيم خليل قهوجي وهو من
بلدة تبـنيـن استلم مديرية
المدرسة ليعطيها دفعاً تربوياً
جديداً ولافتاً وحضوراً مميزاً .
لقد كان لاستلام المعلم خليل
قهوجي (نَوفَل) أثره التربوي
الهام في البلدة والمنطقة والذي
يعتبر من أهم مؤسسي النهضة
العلمية الحديثة في أواسط القرن
العشرين في تبـنيـن. ففي زمن
تدريسه نشطت الحركة الثقافية وخطت
المدرسة الرسمية خطوات سريعة نحو
التقدم العلمي. فالانضباط
والمستوى التعليمي الثقافـي وحتى
التربية الأخلاقية للتلامذة كان
ملموساً ولا يزال يُذكر حتى الآن
عن مدى الاحترام الذي كان يلاقيه
هذا الأستاذ من قبل الأهالي
وأولادهم على حدٍ سواء. لقد كان
له صولته في قلوب ومشاعر الجميع
حتى انه لا يجرؤ الطلاب على
مواجهته في الشارع إن صادفوه.
ولهذا صّح
عليه القول: من علمني حرفاً كنت
له عبداً.
والجدير بالذكر أن
عدد طلاب المدرسة في هذا العام
وصل إلى ما يقرب من
200
طالب وطالبة... والفضل أيضاً،
يذكر للأستاذ علي دكروب (محمد
علي) في هذا المجال لتحمله
مسؤولية إنشاء السنة الأولى من
المرحلة المتوسطة لتكون قاعدة
فيما بعد للتعلم في المرحلة
المتوسطة.
أما في السنوات
اللاحقة استمرت المدرسة في العطاء
والتقدم والازدهار وواصل مدراؤها
من تبـنيـن والمنطقة المجاورة
عملهم المـميز والريادي ليرتفع
عدد الطلاب في العام الدراسي 1966
/ 1967 إلى
300
تلميذ وتلميذة و23
معلم.
أما سبب الارتفاع
في عدد الطلاب المتزايد فإنما
يعود إلى إقفال الأسقفية في
تبـنيـن أبوابـها عام 1966وإنضمام
معلمها الخوري أتاناسيوس حداد من
بلدة عين ابل المجاورة إلى
التعليم في المدرسة الابتدائية
وهو أيضاً كان كاهناً للبلدة،
إضافة إلى زوال الكتاتيب إما
بوفاة أصحابها أو أيضاً لاهتمام
الأهالي بالأفضل ألا وهي المدارس
الرسمية.
وهكذا في العام
الدراسي 1969 / 1971 وصل عدد
التلامذة إلى
439
تلميذ وعدد
المعلمين
25
معلم ومعلمة.
وفي العام الدراسي
1972 / 1973 وصل عدد التلامذة إلى
476
تلميذ أما عدد المعلمين فانخفض
إلى
21
معلم ومعلمة.
وفي هذا العام
1973 تعرضت المدرسة الرسمية على
مستوى كل الوطن إلى نكسة تربوية
تـمثلت بصرف وإبعاد العشرات من
الأساتذة كعقاب ولأسباب سياسية…
وفي العام الدراسي
1975 / 1976 وصل العدد إلى
517
تلميذ والمعلمين إلى
22
معلم. أما في العام الدراسي 1976
/ 1977 وصل العدد إلى مستواه
الأعلى وهي مرحلة القمة
737
تلميذ و
52
معلم.(2)
وفي شهر اذار من
العام 1978 تاريخ اجتياح جيش
الاحتلال الإسرائيلي لجنوب
لبـنـان تعرضت المدرسة الابتدائية
التكميلية الرسمية إلى ما يشبه
الغزو، فدخلها جيش الاحتلال وعبث
بـملفاتـها وأتلف قسماً منها.
شهد العام الدراسي
1980 / 1981 تناقصاً كبيراً في
عدد التلامذة و الأساتذة والسبب
يعود إلى افـتتاح مدارس خاصة في
تبـنيـن وإلى فـتح ثانوية تبـنيـن
قسماً إضافياً عـنـى بطلاب
المرحلة المتوسطة إضافة إلى
انتقال بعض الأساتذة إلى بيروت
العاصمة !.
تجدر الإشارة إلى
أن تقدم وتراجع مستوى التعليم في
المدرسة الرسمية إنـما يعود إلى
الإهمال المتزايد لـها من قبل
الدولة وإلى دخول السياسة في
التعليم من قبل الإقطاع التعليمي
على هذه المدرسة لصالح المدارس
الخاصة ولأسباب أخرى…
حـتى أنّ نوعية
الإدارة والأساتذة كانت تأخذ
منحاً وطابعاً يختلف من إدارة إلى
أخرى. ولهذا فإن الناس الآن تتندر
وتتذكر مدراء المدرسة السابقين
أمثال:
الأستاذ عبد
اللطيف سعد من بنت جبيل/ الأستاذ
خليل قهوجي من تبـنيـن/ الأستاذ
حسن فرحات من برعشيت/ الأستاذ عبد
الحليم هزيمة من تبـنيـن /
لجدارتـهم في إدارة المدرسة
وتحصيل الحاصل وإثبات الواقع.
حالياً إدارة
المدرسة ومنذ العام 1983 بيد
الأستاذ علي حسين حـمود من
تبـنيـن - ولكن
…
لا يتجاوز عدد تلامذتـها ألـ(100)
مئة في هذا العام الدراسي 2003
/ 2004 وهم مـمن لا يتمكن من
دخول المدرسة الخاصة لأسباب
مادية! وهذا كان من أحد وأهم
العوامل التي أدّت إلى انحسار
المرحلة المتوسطة في المدرسة
فـترة من الزمن ولأسباب متعددة
…
ولا يسعنا في
النـهاية، إلا أن نتمنـى لهذه
المدرسة العودة إلى سابق عهدها،
وتسلم دورها الريادي في التربية
والتعليم
…
وأن يبقـى هذا الصرح شامخـاً -وإن
للذكرى - كونه كان قائماً شاهداً
على مرحلة تعليمية مهمة على صعيد
كل الوطن تخرّج منه العشرات مـمـن
وصلوا وشاركوا في صنع القرار وعلى
كافة الصعد.
فـهـل تعود
المدرسة مدرسة ؟ وتستمر ؟
أم تـلـحـق
بـغرفـتي الـمسجـد ؟
الـكـلام جـاري
…
هوامش :
*استند هذا
الموضوع إلى أرقام وعناوين وردت
في رسالة أُعدّت لنيل شهادة
الكفاءة
الخاصة
بالأستاذ حسين علي عباني تحت اسم
( تطور تاريخ التعليم في بلدة
تبـنيـن)،
(أوائل القرن
العشرين حـتى 1982) وذلك في العام
1983.
1-للأسف،
أُزيلتا عام 2001 مع المسجد
التاريخي والذي يعود بناؤه للعام
1860 م.
2-
الأستاذ علي فايز فواز (ناظر سابق
في المدرسة).
|